Tuesday, June 23, 2015

السينما... الخيال والواقع

طلب مني صديقي العزيز الناقد السينمائي محمد رضا أن أكتب مادة ترتبط بالسينما كي ينشرها على مدونته، إذ إن علاقة حب تربطني بالسينما منذ الأزل. كانت مفاجأة سارة جدا أعطتني فرصة لخطف استراحة من أخبار الأسى والحزن في بلدي سوريا. 
هنا نص المادة لمن يرغب مع رابط مدونة العزيز محمد رضا

http://shadowsandphantoms.blogspot.de/p/force-majeure.html

كنت في نيويورك عندما وجدت نفسي ألوذ بالفرار من شوارعها الصاخبة فترة من الوقت بقرار التوجه إلى دار السينما. لم أشأ أن يطول ابتعادي عن هوايتي المفضلة حتى وأنا في أمريكا.
لم يكن قد مضى وقت طويل على نزول فيلم "المنتقمون" أو The Avengers إلى الصالات، وكانت قاعة السينما بطبيعة الحال مليئة بالمشاهدين على رغم عدد عروض يومية كبير بواقع عرض كل ساعة.
كنت أعرف أني لن أشاهد قصة مشوقة أو غرامية أو فيها فلسفة أو تحتاج إلى تفكير وتأمل من نمط الكتب الأكثر مبيعا وما إلى ذلك،  وأني مقبلة على مشاهدة فيلم خيالي مليء بالحركة والمؤثرات الصوتية والبصرية والغرافيكس والخدع السينمائية غير القابلة للتصديق على أرض الواقع والتي صارت هوليوود مغرمة بها في الفترة الأخيرة، ولكني بكل الأحوال حجزت تذكرتي إلى الفيلم مدفوعة بفضول غامض، أو ربما كنت أبحث عن وسيلة مختلفة لقضاء الوقت.
من المحتمل أن تكون طبيعتي الصحفية واطلاعي الدائم على ما يحدث في هذا العالم دفعاني كي أغوص في ما وراء قصة الفيلم، متجهة إلى فكرة أقرب إلى الطفولية، وانتقلت من واقع مشاهدة مجرد فيلم إلى عالم الخيال الذي أرادنا المخرج أن نعيش بين جنباته، وتحولت إلى طائر يطوف في سماء القصص الخرافية وحكايا الأطفال الملونة والمليئة بمبالغات وأفكار يضحك المرء من مبالغاتها. في النهاية، أليس هذا ما أرادنا صانعو الفيلم أن نعيشه؟!
كان جمهور المشاهدين يقابل أي مشهد قصد فيه المخرج التأثير عاطفيا عليهم بالضحك والسخرية، ربما لأنهم أرادوا التسلية والاستمتاع اللحظي فقط، وهذا بطبيعة الحال ما أنتج الفيلم من أجله. غير أني بدأت أتساءل: لماذا كثرت في العقود الأخيرة أفلام هوليوود التي تصور قصص أبطال أقوياء خارقين يصارعون بشراسة، ويقفون في مواجهة شرور تتفنن وسائلها وطرقها في ابتكار آلات حديثة وروبوتات معقدة وذكية مبرمجة على أعلى المستويات التي آلت إليها علوم الكمبيوتر، وذلك بهدف تدمير العالم أو لتحقيق مصلحة فردية؟ 
عاد سوبرمان وسبايدرمان (الرجل العنكبوت)، ولا يزال باتمان (الرجل الوطواط) يحظى بالاهتمام، وجاء بعدهم بقليل آيرونمان (الرجل الحديدي) و(ثور Thor)، وبالترافق معهم جاء (كابتن أمريكا) الأول والثاني والثالث وغير ذلك.
كثيرا ما استبقت هوليوود بسيناريوهاتها أحداثا خيالية وجدت طريقها على أرض الواقع، 
وربما يحتاج عالمنا المعاصر فعلا إلى أبطال غير عاديين، قدراتهم تتجاوز القدرات الإنسانية الطبيعية كي يستطيعوا في المقابل مقارعة رموز الشر ومساحاته التي نرى ونسمع ونقرأ عنها في نشرات الأخبار. المشكلة في أيامنا هي أن الشر لم يعد كما في السابق: رجل أو مجموعة رجال يحملون أسلحة نارية ويدخلون في مبارزات، أو عصابة تعتدي على منزل أو مبنى وتسرق وربما تقتل ثم تهرب، أو محتال يخترع كذبة كبيرة ويحقق مبلغا كبيرا بطريقة النصب. بالطبع كل ذلك لا يزال موجودا، لكن العصر الحالي أضاف تقنيات هائلة وضخمة إلى الأسلحة وجعل منها أجهزة مرعبة صنعت من خلال تطور غير مسبوق حدث خلال السنوات السبعين الأخيرة، كما أن المحتالين والمجرمين صاروا غير مرئيين، يختبئون خلف ستائر من الغموض والصفقات الكبرى ويدفعون موظفين لديهم للقيام إما بالمهمات القذرة أو بترتيب الأجواء اللازمة لتحقيق الأهداف. بات خوف الإنسان اليوم مضاعفا، خوف من قفزات نوعية في عالم التقنية، وخوف من أن ينقلب السحر على الساحر، وأن تتحول الأجهزة الكمبيوترية المتطورة جدا إلى كائن مفكر ينقلب ضد مخترعه كما حدث في قصة فرانكشتاين الخيالية القديمة. 
ماذا يفعل الإنسان إذا قررت آلات زرعت بملايين الشرائح من عشرات العلماء أن تستقل بذاتها وتشكل عالمها الخاص ضد الإنسانية، كيف يمكن لمدافع وآليات عسكرية ودبابات وبنادق تقليدية أن تقضي على دماغ؟ وماذا لو أن شخصا أو أشخاصا موجودين فعلا مستفيدون من هذا الانقلاب المفترض؟
ليس بإمكان الإنسان فعل أي شيء في واحدة من المعارك الأزلية التي تدور بين الخير والشر إذا لم تقف معه قوى خارقة تساند الخير.
ورغم أن أبطال قصص "مارفيل" الخيالية تم ابتكارهم قبل أن يحدث هذا التطور اللافت في عالم الكمبيوتر، إلا أن هوليوود وجدت في استخراج هذه الشخصيات والاستعانة بها حلا يفرض نفسه مقابل واقع اليوم، فقد كانت قواهم المتخيلة مبالغا فيها جدا تجاه الوسائل التقليدية للإجرام، أما اليوم فربما يكون وقتهم قد حان.

فيلم «المنتقمون»، كما شاهدته، لم يكتف بأبطال القصص المعروفة، بل اخترع شخصية غريبة وجديدة هي مزيج من الالترون والبرمجة الكمبيوترية وبعض الحواس الإنسانية الميالة إلى الخير وحب إنقاذ البشرية من شرور تتربص بها. ورغم أن نهاية الفيلم شهدت ابتعاد "هوكاي" و"هالك" عن المجموعة، فيما تفرغ توني ستارك (الرجل الحديدي) لمتابعة أعماله مكتفيا بتمويل مشاريع تطوير فريق "المنتقمون"، إلا أنها أوحت كذلك بأن الطريق مستمر، وبأن جمهور المشاهدين سيكون على موعد مع جزء جديد من هذه السلسلة، طالما أن هذا الجمهور يستمر في المتابعة والإقبال بشغف على أفلام هوليوود التي تغوص في عالم الأحلام، والمصنفة في خانة "الساينس فيكشن" أو الخيال العلمي

Monday, June 15, 2015


نحن السنّة!


عنوان صادم؟! لكنه واقع اليوم!

لم يسبق أن صرخ أبناء المذهب السني يطالبون بحقوق ترتبط بمذهبهم الديني مقابل مذاهب الآخرين الدينية. إذ إن خلاف علي ومعاوية كان سياسيا، وخلاف الحسين ويزيد كان سياسيا، وقتال صلاح الدين للصليبيين كان على خلفية احتلال ومجازر، وقتال المماليك للتتار كان ايضا على خلفية مجازر واحتلال. مقاومة الأفغان للاتحاد السوفياتي كانت ضد احتلال، ومقاومة الشيشان لروسيا كانت تعود إلى مظالم مدنية (وإن كانت مقاومة الأفغان والشيشان تحولت إلى تطرف نتيجة قسوة وإجرام الروس)، وحمل البوسنيين للسلاح جاء نتيجة مذابح الصرب تجاههم بعد أن تم تهميشهم وحرمانهم من حقوق المواطنة. في المقابل يعاني المسلمون السنة ظلما وتطهيرا في مناطق في الصين، وفي ميانمار (بورما)، وفي دول أفريقية عدة، وفي إيران (على قلتهم)، والآن في العراق يحملون على كواهلهم ذنوب صدام حسين ويعاقبون عليها إلى أجيال أبناء أبنائهم، ويذبحون بصمت ويفرون من بلادهم وأراضيهم بصمت.

كان السنة دائما مطمئنين في بلدانهم المختلفة، ولم يشكل لهم وجود طوائف أخرى معهم أي مشكلة لأن الأغلبية عادة لا تخشى على وجودها وحقوقها، ولأن من تعاليم المذهب السني حسن الظن بالناس، وفي الواقع هذا هو الخطأ الذي أصابهم في مقتل. فتبعا لاطمئنانهم وارتكانهم إلى عددهم الكبير الذي يتجاوز المليار إنسان لم يبحثوا عن مرجعية يحتكمون إليها ويعودون إليها في أمورهم، ولم ينتظمون سياسيا تحت مظلة واحدة، خصوصا وأنهم ينتمون إلى مختلف الأعراق والألوان ويتحدثون بكثير من اللغات ويترعرعون في بيئات متباينة. ولم تكن منظمة التعاون الإسلامي أكثر من واجهة فاسدة مشرذمة لا تهتم بالمصلحة العامة، بل ترهن أمرها وشؤونها إلى المهيمنين على الخط السياسي في العالم، شأنها في ذلك شأن الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وغيرها.

هذا التقصير الشديد هو ما جعل بقية المذاهب بل والطوائف والأديان المختلفة تتفوق على أتباع المذهب السني، فالآخرون يتوحدون تحت قيادة واحدة وراية واحدة كل حسب انتمائه ويسيرون خلف قياداتهم، حتى في حالة أديان كالهندوسية والبوذية والتي تصل أعداد أتباعها إلى مئات الملايين، ولا داعي لذكر أتباع الديانة اليهودية بالطبع، وجميعهم يتلقون الرعاية والحماية من قوى الاستعمار الجديد.
وقد جاءت شرارة ما يحدث في سوريا في ظل هيمنة طائفة معينة على مقدرات البلد وشؤون الحكم لفترة طويلة ومن ثم تنفيذ عمليات إبادة جماعية شاملة في مذابح بشعة تقشعر لها الأبدان، لتؤجج نيرانا تضيء العتمة وتفضح المستور.

ليس في الأمر سر، ولا هو جديد أن السوريين بجميع شرائحهم انتفضوا في عام 2011 طلبا للحرية والعدالة وحقوق المواطنة. وهي مطالب مشروعة في أي مكان في العالم وفي أي شرعة ومنهاج. غير أن العصابة التي كانت تحتجز البلاد في الأسر أبت إلا أن تنكل في الثورة الإنسانية وأن تنفخ في عنصر الطائفية البغيض من خلال المذابح والقتل والفيديوهات والتعذيب في السجون، حتى انتشر التطرف والحقد والغل في قلب الضحية، واختفت مطالب الحرية والعدالة والكرامة لحساب الاصطفافات المذهبية والطائفية.
خلال أكثر من أربع سنوات توالى سقوط الضحايا بأرقام مذهلة، أكثرهم ينتمون إلى الأغلبية السنية في سوريا، توقف خلال هذه المدة سياسيو العالم الواحد تلو الآخر عن الشجب والاستنكار والإدانة لأي مذبحة جديدة أو عملية وحشية توقع قتلى، غير أن هؤلاء السياسيين أنفسهم كانوا يسارعون بالصراخ والاستنكار عندما تقع حوادث خاطفة يقع خلالها عدد من الضحايا التابعين لمذاهب أخرى كالإيزيديين أوالدروز أوالشيعة.

بالطبع غني عن القول إن قتل أي بريء مهما كان انتماؤه ودينه أمر مرفوض بشكل قاطع، وتنهى عنه الشرائع والقوانين في كل زمان ومكان، لكن من العهر أن يستفيق العالم على صراخ ضحية غير سنية ثم يعود إلى النوم بينما يطرب لسماع آهات المعذبين والضحايا من السنة في سوريا وكذلك العراق.
من هذا المنطلق وتحت هذه الظروف نصرخ نحن السنة الذين يغرز العالم سكاكينه في أجسادنا.
من هذا المنطلق نحمل هذا العالم المسؤولية الكاملة عن ظهور تنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش تستند في دعواتها إلى ما يعانيه السنة من ظلم وجور وطغيان، ثم تتابع تنكيلها بالمعتدلين من أبناء السنة أنفسهم.
من هذا المنطلق نطالب نحن السنة بضمانات لسلامتنا وحقوقنا الإنسانية، ولسنا نحن من يطالبه العالم بتقديم ضمانات لحفظ سلامة الآخرين، فالآخرون (من طوائف ومذاهب ومتطرفين) هم من يذبحون السنة وليس العكس، والآخرون هم من يطمئنون لحماية العالم لهم ولوجودهم، وليس السنة. إلا إذا كان العالم بأسره يستهدف أبناء المذهب السني تحديدا دون غيرهم!

Saturday, May 23, 2015



الفارق بين الأسد الأب والأسد الابن

مقال لافت كتبه "خير الله خير الله" في جريدة الرأي، أخطر ما فيه أنه يوضح كيف يأخذ بشار الأسد سوريا معه إلى الهاوية بتنفيذه تهديداته الشهيرة وأهمها "الأسد أو نحرق البلد" وما كرره في مقابلاته وخطاباته من أن سقوطه سيأخذ البلد إلى المجهول وسيحرق المنطقة وغير ذلك.
إن استمرار بشار الأسد في الحكم رغم المؤشرات الواضحة على نهاية حكمه، وإصراره على تخريب سوريا بشكل كامل قبل رحيله يدل بما لا يقبل الشك على أن سوريا لم تعن له شيئا يوما ما، ولم يشعر يوما بالانتماء إلى وطن بقدر ما كان يحقق مصالحه ومصالح عائلته المتمثلة في تكديس المليارات من الدولارات واستعباد الشعب.
التالي هو نص المقال والرابط الأصلي له:

ما الفارق بين حافظ الأسد وبشّار الأسد؟ لماذا صار مطروحا في الأيّام الأخيرة من حكم بشّار سؤال مرتبط بالمستقبل الذي ينتظر سورية بعد سقوط النظام الذي عاش، إلى الآن، خمسة وأربعين عاماً وقد يعيش أكثر؟ قد يعيش هذا النظام أشهرا أخرى. من الصعب التكهن بموعد النهاية، على الرغم من أنّ النظام انتهى.

مرّة أخرى، الثابت أن النظام انتهى. لكن الثابت أيضا أن سورية لن تبقى موحدة، ذلك أن ما كان يمكن أن يكون دولة ناجحة في المنطقة، تحوّل إلى دولة فاشلة بكلّ المقاييس.

ما نشهده اليوم ليس نهاية سورية بمقدار ما أنّه نهاية للشرق الأوسط الذي عرفناه والذي كانت سورية لاعبا أساسيا فيه. كانت لاعبا أساسيا. لكنّها كانت في الحقيقة لاعبا سلبيا نظرا إلى أن النظام فيها كان نظاما عاجزا في مجال البناء. لم يكن قادرا سوى على ممارسة لعبة الابتزاز، في غياب قدرته على الحرب أو على السلام.

في الشرق الأوسط الذي عرفناه، كانت سورية في كلّ وقت من الأوقات الرجل المريض فيه، خصوصا أنه كانت دائما لدى المسؤولين السوريين عقدة العظمة ووهم الدور الإقليمي الذي كان يسكن العقول المريضة لزعماء سورية، من حسني الزعيم... إلى حافظ الأسد وصولا إلى خليفته الذي سلّم سورية إلى ايران.

ما فعله النظام، الذي لم يدرك أنّ دوره انتهى منذ فترة طويلة، أي يوم سقوط جدار برلين في خريف العام 1989، كان العمل على خطيّن. الأوّل التمديد لنفسه عبر العثور على شريان حياة جديد، والآخر القضاء على الكيان السوري.

عرف حافظ الأسد كيف يجد شريان حياة جديد لنظامه بعد انتهاء الحرب الباردة. في المقابل، عرف بشّار الأسد كيف يجعل الكيان السوري ينتهي في اليوم الذي ينتهي فيه النظام. يقول صديق سوري إن المكان الوحيد الذي كان بشّار الأسد صادقا فيه هو عندما قال إن نهاية النظام تعني نهاية سورية. قال عبارة «الأسد أو لا أحد».

لكلّ من الأسد الأب والأسد الابن طريقته الخاصة في التعبير عن عبقريته بالمعنى السلبي للكلمة. في العام 1990، استغلّ حافظ الأسد الحرب التي شنّها غريمه صدّام حسين على الكويت إلى أبعد حد، حيث وجد في الحرب على الكويت فرصة لا تعوّض، فانضم إلى حرب تحرير الكويت التي قادها الجنرال الأميركي شوارزكوف.

استفاد حافظ الأسد طويلا من غباء البعثي الآخر الذي كان يحكم العراق بطريقة لا تختلف في شيء عن حكم الأسد الأب لسورية. في العراق، كان هناك نظام عائلي ـ بعثي، وفي سورية كان هناك نظام علوي يستخدم البعث غطاء. ما لبث النظام السوري في عهد الأسد الابن أن تحوّل إلى نظام عائلي ـ بعثي على طريقة ما كان عليه نظام صدّام، وذلك عندما اختزل بشّار الأسد العلويين بثلاث عائلات هي عائلته وعائلة مخلوف وعائلة شاليش مع متفرعات عن هذه العائلات تُرك لها شيء من فتات السلطة والثروة مع بعض العائلات السنّية التي كانت تشكل جزءا من الديكور الخارجي للنظام.

التقط حافظ الأسد فرصة الحاجة الأميركية إلى مشاركة عربية في حرب تحرير الكويت من الظلم الذي لحق بها. التحق بالتحالف الدولي الذي خاض حرب إخراج صدّام من الكويت. أعاد بذلك العلاقة مع الأميركيين الذين جدّدوا له الوصاية على لبنان في مرحلة مع بعد اتفاق الطائف الذي وقّع في خريف العام 1989. استفاد الأسد الأب أيضا من غبيّ آخر، لبناني هذه المرّة، اسمه ميشال عون كان يحتلّ قصر بعبدا. وفّر ميشال عون للأسد فرصة دخول القصر الرئاسي ووزارة الدفاع اللبنانية القريبة منه وذلك للمرّة الأولى منذ حصول لبنان على استقلاله.

عرف حافظ الأسد كيف يلعب أوراقه. عرف خصوصا كيف يكون حاجة أميركية وعربية وإسرائيلية في الوقت ذاته. لم يكن لدى إسرائيل في أي يوم من الأيام اعتراض على بقاء جبهة جنوب لبنان مفتوحة وجرحا دائم النزيف.

ما يجمع بين الأسد الأب والأسد الابن هي تلك الحاجة الدائمة إلى الهروب إلى الخارج السوري. استند حافظ الأسد في هروبه إلى توازنات معيّنة، من بينها علاقاته العربية التي ترافقت مع علاقة عميقة مع إيران. عرف كيف يخفي الطابع المذهبي لتلك العلاقة وتغليفها بشعارات ذات بعد عربي. أمّا بشّار الأسد، المعجب بـ«حزب الله» والجاهل لحقيقة مثل هذا النوع من الأحزاب المذهبية وطبيعة دورها، فقد غرق منذ البداية في فخّ العلاقة مع ايران. انتهى بكلّ بساطة أسير تلك العلاقة في بلد لا يمكن أن يقبل بالهيمنة الإيرانية بأي شكل.

بعيدا عن التوازنات الطائفية والمذهبية في سورية، وصل النظام إلى مرحلة لم تعد فيها فائدة من لعبة الهروب إلى الخارج. حاول بشّار منذ البداية ممارسة هذه اللعبة. أرسل، في مرحلة ما بعد اندلاع ثورة الشعب السوري قبل ما يزيد على أربع سنوات، لبنانيين وفلسطينيين من المساكين، إلى جنوب لبنان وإلى الجولان مهدّدا بفتح جبهة جديدة. لكنّ كلّ ذلك لم ينفع في شيء.

أراد حتّى الهروب إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل، لكنّه اكتشف في النهاية أنّ ساعة الحقيقة دقّت للنظام ولسورية في الوقت ذاته. كان في استطاعته الخروج باكرا من السلطة، لعلّ في الإمكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سورية. اختار للأسف الشديد تجاهل الواقع. عاش في عالم خاص به. عاش داخل فقاعة عزلته عن الواقع السوري وعن الواقعين العربي والعالمي. انفجرت الفقّاعة... انفجرت معها سورية.

لم يعد في الإمكان في الوقت الحاضر سوى المقارنة بين الوضعين السوري والليبي. تمثّل ليبيا، حيث لم يعد في الإمكان إعادة تركيب الدولة ومؤسساتها، المستقبل السوري. عرف الأسد الأب كيف يجدد طريقة للمدّ بحياة النظام. فشل الأسد الابن في ذلك. لن يذهب قبل أن تذهب معه سورية...إلى حيث ذهبت ليبيا معمّر القذّافي!

انتقم القذّافي من ليبيا والليبيين. لم يترك لهم بلدا يمكن حكمه بعدما مزق المجتمع الليبي وقضى على النسيج الاجتماعي في البلد ودمّر كلّ مؤسسات الدولة بطريقة منهجية.

هل سيبقى شيء من سورية يصلح لإعادة بناء دولة أو دويلات، أم كلّ شيء بات مهيّأً لحروب لا نهاية لها تمكّن بشار الأسد من القول إنّه انتقم من الشعب السوري الذي ذنبه الوحيد ارتكابه جريمة البحث عن بعض من كرامة.

http://www.alraimedia.com/Articles.aspx?id=590441

Friday, May 8, 2015


الفرق بين ديغول والحكام العرب

كان ذلك بعد المظاهرات التي عَمَّت شوارع باريس وبعض فرنسا، في ما سُمي يومَها "أحداث مايو/أَيار1968".
وفي 24 من ذلك الأَيّار، أعلن رئيس الجمهورية الجنرال شارل ديغول إجراء استفتاءٍ في الشهر التالي حول إصلاحات جامعية واجتماعية واقتصادية.
في الثلاثين من الشهر نفسه عاد فأَجّل موعد الاستفتاء بناءً على اقتراح رئيس وزرائه جورج بومبيدو، لمصادفة الفترة مع الانتخابات النيابية المقبلة.
وجرت الانتخابات وتتالت الانهماكات السياسية، إلى أن عَيَّنَ الجنرال ديغول موعد الاستفتاء في 27 أبريل/نيسان 1969، حول إصلاحات في مجلس النواب وبعض التشريعات الأُخرى، وَفْقاً للمادة الحادية عشرة من الدستور الفرنسي.   
وصرّح ديغول أنه، إن لمْ يَنَلْ موافقة الأكثرية من الشعب، سيستقيلُ من منصِبِه.
ظنَّ الكثيرون يومها أنّ ديغول، بتصريحه ذاك، يلتَمِس العاطفة الشعبية لقبول اقتراحاته الإصلاحية من الشعب الذي كان يرى في ديغول مُنقِذَ فرنسا، وباني فرنسا الحديثة، ومؤسسَ الجمهورية الخامسة فيها.
في اليوم التالي، 28 أبريل/نيسان، كانت نتيجة الاستفتاء: 52،41% قالوا  "لا" ، و47،59% قالوا  "نعم" .





حبسَت فرنسا أنفاسَها لترى ما سيكون قرار مُنقِذ فرنسا شارل ديغول.
وبعد عشر دقائق من منتصف الليل، صدَرَ عن "كولومبيه لي دوزيغليزبيانٌ موجَزٌ من سطرين، سمعَهُ الفرنسيون والعالم، جاء فيه حرفيـــــاً:-    
 "أُعلِنُ توَقُّفي عن مُمارسة مهامي رئيساً للجمهوريةيصبحُ هذا القرار نافذاً عند ظهر اليوم: 29 أبريل/نيسان 1969"... 

كان ذلك صوتَ الجنرال شارل ديغول.


وسادَ صمتٌ وَوُجومٌ في فرنســـا والعالــــــم.
لم يبك الشعب ولم يخرج إلى الشوارع يستعطف الرئيس كي يبقى، ولا غير ديغول رأيه قائلا إنه سيبقى تلبية لمطالب شريحة من الشعب، لم يكن في الأمر خداع أو عواطف، فقط قالت صناديق الاقتراع كلمتها وانتهى الأمر.

تولّى مَهامّ الرئاسة بالوكالة رئيسُ مَجلس الشعب آلان بوهير، حيث هيأ لانتخابات رئاسية أوصلت جورج بومبيدو إلى الإيليزية خلفاً لشارل ديغول الذي حَكَمَ فرنسا عَشرَ سنواتٍ ذهبية، ولم يورّث للرئاسة ابناً ولا صهراً ولا فرداً من عائلته أو حزبه أو مناصريه، ولَم يسعَ إلى التجديد ولا إلى التمديــــد.
انسحب الكبير شارل ديغول إلى داره في "كولومبيه لي دوزيغليز"، يُمضي سنته الأخيرة من حياته في سكينةٍ وهدوء.
وتُوُفِّيَ في السنة التالية (مساءً 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1970) تاركاً وَصِيَّتَين:
الأُولى ألاّ يحضرَ جنازتَهُ رؤساء ولا وزراء ولا سياسيون،
والأُخرى ألاّ يُحفَرَ على قبره إلاّ ما يلي: "شارل ديغول 1890-1970".

كانت هذه نبذةً عن عظيمٍ من العالم أنقذَ بلاده حتى إذا قالت له بلاده "لا"، انْحنى لِمجد فرنسا وانسحب إلى عُزلته احتراماً لِمشيئة الشعب.
فلو كان الاستفتاء بين مُمثّلي الشعب، لربما كانت اختلفَت النتيجة، لأن مُمثّلي الشعب قد يُدْلون بصوتهم تحت ضَغْطٍ أو قَسْرٍ أو مصلحة، فيَخونُون حاكِماً أو يَطعَنُون حليفاً... لكنّ ديغول كان يَعلَم أنّ مشيئةَ الشعب من مشيئة الله، وأنّ الحاكم العادل هو الذي يَنصاعُ إلى مشيئة الشعب إن كانت مُحِقّةً، وأنه، ببقائه القَسريّ في الحُكْم، يقهر غاصِباً تلك المشيئة!
نسخة منه الى:
كــافة الـــزعمــاء العــرب لأتخــاذ مــا يــلزم وأعلامنــا النتيجة!




 نـــزار  قبـــاني
 وقصيـــــدة "لن أعتزل"
كلما فكرت أن أعتزل السلطة..
ينهاني ضميري..
من ترى يحكم بعدي هؤلاء الطيبين؟
من سيشفي بعدي الأعرج..
والأبرص..
والأعمى..
ومن يحيي عظام الميتين؟
من ترى يخرج من معطفه ضوء القمر؟
من ترى يرسل للناس المطر؟
من ترى يجلدهم تسعين جلدة؟
من ترى يصلبهم فوق الشجر؟
من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر؟
ويموتوا كالبقر؟..
كلما فكرت أن أتركهم..
فاضت دموعي كغمــــامة..
وتوكلت على الله..
وقررت أن أركب الشعب..
من الآن الى يوم القيامة..

Sunday, April 12, 2015

دراسة عامة منقولة عن العلويين

مقال كتبته رندة حيدر عن العلويين وجدته بالصدفة ورغبت في مشاركته مع الآخرين.
ملاحظة: بعض السنوات المذكورة في المقال ليست دقيقة.

رندة حيدر
ساهمت الثورات العربية التي تجتاح دول المنطقة والتحركات الشعبية المطالبة بالديمقراطية والحرية، في تسليط الأضواء على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لهذه الدول. وأعادت الثورة السورية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات ذكرى الصراع الطائفي القديم على السلطة بين الطائفة العلوية التي تنتمي اليها عائلة الأسد، وبين الأكثرية السنية التي حكمت سوريا لعقود سابقة وتعتبر نفسها اليوم مهمشة ومضطهدة من نظام الأسد.
هناك محاولة لتصوير الصراع الدائر في سوريا بأنه صراع طائفي ما بين الأقلية العلوية الحاكمة المتمثلة بنظام الأسد والحركات الأصولية التي تمثل الأكثرية السنية البلاد، وفي هذا اجتزاء لما يحدث وافتئات على الثورة وعلى أبناء الطائفة العلوية، التي يجري اليوم اختصارها بعائلة الأسد الحاكمة. من هنا الحاجة الى التعرف من كثب الى هذه الطائفة معتقداتها وأفكارها وتاريخها في المنطقة.

هل العلويون مسلمون؟
أدى الطابع السري للديانة العلوية، وعدم وفرة الكتب التي تتحدث بوضوح عنها وتشرح معتقداتها، الى صعوبة التعرف عليها، لا سيما في ظل التشكيك بحقيقة انتساب هذه الطائفة الى الإسلام. ففي حين يشدد فقهاء الطائفة العلوية، ومعهم مؤرخون وباحثون، على أن "العلويين مسلمون، إماميون، جعفريون، يعتمدون الشريعة الإسلامية عقيدة لهم ويطبقون أحكامها، وفقاً لمذهب الإمام السادس أبي عبد الله جعفر الصادق"، فإن هناك من يعتبرهم هراطقة خارجين على الإسلام، مثل ابن تيمية (1263-1328) الذي أصدر فتوى كفّرهم فيها واعتبرهم من "أصناف القرامطة الباطنية وهم أكفر من اليهود والنصارى". ومثل كل الأقليات عانى العلويون عبر تاريخهم الطويل الاضطهاد الديني من الحكام، مما دفعهم الى الانغلاق داخل مجتمعهم والانسحاب للعيش في سلسلة الجبال الممتدة من عكار جنوباً الى طوروس شمالاً. ويعيش القسم الأكبر من العلويين اليوم في تركيا وسوريا، كما يتوزعون في العراق وفلسطين، بالاضافة الى وجودهم في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.
وقديماً كان يطلق على العلويين إسم النصيرية نسبة الى محمد بن نصير (عاش حوالي 850 ميلادية) الذي يعود اليه فضل وضع أسس هذا المذهب في بغداد بوصفها طائفة انفصلت عن االشيعة. وقد عاصر ثلاثة من أئمة الشيعة، هم عبد الهادي والحسن العسكري والإمام الذي اختفى
وظلت هذه التسمية تطلق عليهم حتى السنة 1920، حين قام الفرنسيون أيام الانتداب بتغيير إسمهم الى العلويين لتمييزهم عن النصارى، أوالمسيحيين.

يتفق العلويون مع الشيعة عامة بالرواية التاريخية لمرحلة الرسول وما بعدها، لكنهم يختلفون في النظريات الدينية والتفاسير القرآنية، ويزعمون قدرتهم على معرفة الحقيقة بالتواتر عن الأئمة المعصومين. وأكثر ما يركز عليه العلويون هو العقل الذي يرمز عندهم الى الرسول. وهم مثل الشيعة يعطون مكانة كبيرة للإمام علي، لكنهم يختلفون عنهم بأن بعض غلاتهم يقدسون علياً ويرفعونه الى درجة الألوهة. وأكثر ما يختلف به العلويون عن السنة والشيعة في آن معاً هو إيمانهم بالثالوث المقدس الذي يتجلى بسحبهم في: الله – محمد – علي. مما يقربهم من فكرة الثالوث المقدس عند المسيحيين. كما يعتقد العلويون بنظرية الحلولية الإلهية، وبأن الله يتجلى في صورة الإنسان وقد تجلى في النبي محمد والإمام علي وعدد من الأئمة والصالحين والأشخاص الذي يختارهم الله من هنا ظهور شخصيات في التاريخ العلوي ادعوا النبؤة وآمنوا بالإمام المنتظر.
تقوم الديانة العلوية على الايمان بنظرية التقمص، أو التناسخ، الأمر الذي يقربهم من أبناء الطائفة الدرزية. وللعلويين موقف خاص من تطبيق أركان الإسلام الخمسة، فكونهم من أصحاب الاعتقاد بالظاهر والباطن، ويرون أن روح العبادات ليست سلوكاً خارجياً ينفذه الانسان بعناية وتكرار، وأن بواطن الأمور تمكن معرفتها من خلال الأئمة المعصومين، وأن الله يعطي هذه المعرفة لمن يشاء من عباده الذين يتصفون بالبصيرة والعقل، فهم لا يعتبرون الصيام في شهر رمضان أمراً ملزماً. أما الصلاة فلا ضرورة لإقامتها في المساجد، ويمكن أن تجري في منازل وأماكن خاصة. ويدافع العلويون عن عدم تشييدهم المساجد كونها لم تكن موجودة أيام الرسول والإمام علي، ولأن علياً قتل داخل المسجد. ولا يحّرم العلويون شرب الخمر، مما يجعلهم يشبهون، بالاضافة الى أمور أخرى، المسيحيين. وقد دفعت أوجه الشبه بين العلويين والمسيحيين المستشرق البلجيكي هنري لامنس(1862-1937) الى كتابة في بحث له بعنوان "هل العلويون مسيحيون؟" "العلويون هم من المسيحيين الذين أخفوا ديانتهم وادعوا أنهم مسلمون كي لا يتعرضوا للاضطهاد الديني".
وثمة تشابه آخر ما بين العلويين والدروز في سرية التعليم الديني. فبالاستناد الى رسالة الدكتوراه التي أعدتها فابريس بلانش عن الموضوع عندما يبلغ الفتى العلوي سن المراهقة يقوم والده بتعريفه على شيخ يطلعه على أسرار الدين، ويصبح هذا الشيخ الأب الروحي للتلميذ. ويدين له بالطاعة حتى الموت. لكن ليس كل أبناء الطائفة يحق لهم التعرف على ديانتهم، من هنا يقسم الناس الى قسمين: العالمون بالدين والجاهلون به.
لا يفرض العلويون الحجاب على المرأة لأنه ليس فريضة إسلامية ولكنه نوع من الحشمة المحببة. ولكن لا يحق للمرأة الاطلاع على أسرار الدين، ورغم الدور المهم الذي كانت تقوم به في مجتمع الريف فإن هذا لا يعطيها حقوقاً، وهي أقل مرتبة من الرجل.
في رأي المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (1883- 1963) إن الديانة العلوية هي مزيج من الإسلام المتأثر بالديانة المسيحية والديانة الغنوصية المشرقية القديمة (تيار عقائدي ذو فلسفة حلولية نشأ في القرن الأول الميلادي وحاربته الكنيسة المسيحية) والتيارات الصوفية. كا يبرز تأثر الديانة العلوية أيضاً بالمعتقدات الفارسية القديمة. ويحتفل العلويون بعيد الميلاد والغطاس، بالاضافة الى احيائهم لعاشوراء واحتفالهم بعيدي الفطر والأضحى.

العلويون في تركيا
يعيش في تركيا اليوم ما بين 20 الى 23 مليون علوي، نحو 35 في المئة منهم من الأكراد، وهناك أيضاً علويون تركمان، ويتوزع هؤلاء في صورة خاصة في داخل الأناضول وفي غربه وبالقرب من البحر الأسود.
هناك اختلاف ما بين العلويين في تركيا والعلويين في سوريا. فالعلوية التركية تعود الى الفرقة الصوفية القزلباشية (ذوو الطاقيات الحمر) التي نشأت في القرن السادس عشر في أذربيجان وانتشرت في جنوب تركيا، ومنها نشأت الدولة الصفوية، ومن الفرقة الصوفية البكتاشية (طريقة صوفية شيعية المنشأ نسبة الى الشيخ بكتاش المتوفي السنة 1336). أما العلوية في سوريا فأقدم من ذلك بقرون عدة. لكن القاسم المشترك ما بين العلويين في تركيا وسوريا معاناتهم الكبيرة من الاضطهاد الديني أيام السطنة العثمانية. من هنا رأى العلويون في تركيا في مجيء أتاتورك الى الحكم الذي عمل على علمنة الدولة، خشبة خلاص لهم. وبدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين دخل العلويون في نسيج الدولة والمجتمع، وأخذت غالبيتهم تؤيد الأحزاب العلمانية. ولوحظ أنه منذ مجيء حزب العدالة والتنمية الى الحكم عاد العلويون الى ممارسة شعائرهم الدينية بحرية أكبر، وبدأت مطالبتهم بتمثيل أكثر عدالة في وظائف الدولة، لا سيما الحساسة منها. لكن اجمالاً يظهر العلويون باختلاف انتماءاتهم العرقية منسجمين ومندمجين داخل نسيج الدولة والمجتمع التركيين.

العلويون في سوريا
هم أقدم العلويين في المنطقة تاريخياً، ويشكلون اليوم الطائفة الأكبر في سوريا بعد السنة ويبلغ حجمهم 13 في المئة من تعداد الشعب السوري.
مرّ العلويون السوريون بمراحل طويلة من الاضطهاد أيام السلطنة العثمانية، التي لم تعترف بهم كمسلمين وفرضت عليهم الجزية بدءاً من السنة 1571، لأنهم لا يصلون في المساجد ولا يؤدون الفرائض الإسلامية، ومنعتهم عن ممارسة أي شعائر خاصة بهم. هذا الأمر أجج مشاعر الكراهية لدى العلويين ضد السنة، ودفعهم الى التخندق داخل منطقة الجبال والانغلاق على أنفسهم. وقد ثار العلويون غير مرة ضد العثمانيين في 1806 و1811 و1852. ولم يتحسن الوضع إلا مع نهاية القرن التاسع عشر، عندما قام العثمانيون ببعض الإصلاحات ومنحوهم شيئاً من الاستقلال الذاتي.
شكل مجيء الانتداب الفرنسي مرحلة جديدة في تاريخ العلويين لأنه حررهم من اضطهاد العثمانيين، ولأن السلطات الفرنسية وافقت على منحهم الاستقلال الذاتي. فأعلن في تموز 1922 عن قيام الدولة العلوية في اللاذقية. وصدر قرار بالغاء الضرائب المفروضة على العلويين وانهاء عمل المحاكم السنية ونقل صلاحياتها الى قضاة علويين. وقد ساعد هذا كله في تغيير وضع العلويين بصورة كبيرة وأدى الى بداية نهضة هذه الطائفة. في المقابل تعاون هؤلاء مع السلطات الفرنسية وشاركوا في فرقها العسكرية وخدموا في جهاز الشرطة والاستخبارات. لكن هذا لم يمنع من نشوب ثورات ضد الفرنسيين، أبرزها ثورة الشيخ صالح العلي الذي أعلن العصيان على الفرنسيين
لكن مخاوف العلويين تجددت مع انتهاء الانتداب الفرنسي والاعلان عن استقلال سوريا والغاء الدولة العلوية في كانون الأول السنة 1936. وبرزت المقاومة العلوية للحكم السني في ثورة سليمان المرشد السنة 1939 و1946 وثورة ابنه 1952.
تعتبر الحقبة الزمنية ما بين 1946-1963 فترة السيطرة السنية على الحكم في سوريا، وبدء اندماج الطائفة العلوية بالدولة وصعودها. والمفارقة هنا أن تخلي العلويين عن توجهاتهم الانفصالية وانضواءهم الى الدولة شكلا بداية مرحلة نهوضهم الحقيقي.
فمنذ وصولهم الى الحكم بذل السنّة جهوداً كبيرة لدمج العلويين في كيان الدولة القومية، لاسيما ان اللاذقية كانت تشكل أهم منفذ للدولة على البحر. وقد ألغى هؤلاء الفرق العسكرية العلوية ودمجوها بالجيش الوطني. وعندما أيقن العلويون أن مصيرهم بات مربوطاً بمستقبل سوريا الجديدة بدأ سعيهم الى السلطة من خلال طريقين: الجيش وحزب البعث.

صعود الطائفة العلوية
ابتعد أبناء الطائفة السنية من الجيش لأسباب ثلاثة، هي كره النخبة السنية للحياة العسكرية، ومحاولة السياسيين تقليص دور الجيش في الحياة السياسية، وعدم قدرة أبناء الأقليات بصورة عامة على دفع بدل مالي لإعفائهم من الخدمة العسكرية، في المقابل رأى العلويون في الجيش فرصة للإرتقاء الاجتماعي وللخروج من حياة الريف الفقير والدخول في حياة المدن السورية، ناهيك عما يقدمه الجيش من حياة لائقة بالمقارنة مع ظروف حياتهم الصعبة. في السنة 1949 شكل العلويون أكثرية الجنود في الجيش وثلثي الضباط، وكان القادة العسكريون من السنة يعتقدون أنهم باحتكارهم المناصب الرفيعة في الجيش، يستطيعون السيطرة عليه. لكن الصراع على السلطة ما بين الضباط السنة والانقلابات العسكرية التي كانت تؤدي الى الغاء بعضهم البعض ساهمت بصورة كبيرة في تعزيز مواقع العلويين الذين بقوا موحدين داخل الجيش.

أدت حقبة الانقلابات العسكرية والصراعات داخل السنة في الجيش وخوفهم من الخيانات الى اعتماد بعض هؤلاء على ولاء الضباط من الأقليات في الجيش، الأمر الذي عزز من جديد موقع الضباط العلويين، بالاضافة الى أن السنة كانوا يدخلون الجيش كأفراد، اما العلويون فكانوا يدخلونه كجماعة متضامنة.
أما العامل الثاني الذي ساهم كثيراً في صعود الطائفة العلوية فهو حزب البعث الذي جذب بأفكاره العلمانية الاشتراكية جموع العلويين من الفلاحين وأهالي الأرياف الذين عانوا من التمييز وكانوا يعيشون في حال من الفقر المدقع. كما ساهمت هجرة أهل الريف الى المدن في تعزيز هذه الظاهرة، اضافة الى انتقال أبناء الريف الى المدن للدراسة. فانضم العلويون بأعداد كبيرة الى صفوف حزب البعث، لا سيما في فرع الحزب في اللاذقية وفي فروع جامعتي دمشق وحلب.

لعب العلويون دوراً مهماً في انقلاب آذار السنة 1963، وتولوا مناصب حساسة في النظام، كما قاموا بانقلاب 1966، لكن نفوذهم تجلى مع الانقلاب الذي قام به الرئيس حافظ الأسد السنة 1973، والذي شكل بداية حكم عائلة الأسد التي من خلاله ضمنت استمرار سيطرة الطائفة العلوية على الحكم حتى اليوم. ويذكر أن الرئيس حافظ الأسد طلب من الإمام موسى الصدر رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان اصدار فتوى تقول ان العلويين هم من الشيعة، وذلك لإسكات المعارضين لانتخابه رئيساً للجمهورية، بحجة ان الدستور يفرض أن يكون الرئيس مسلماً. وقد أصدر الإمام هذه الفتوى في السنة 1974. يقول باتريك سيل في كتابه "الصراع على الشرق الأوسط": "اصدار هذه الفتوى أزال العقبة الأخيرة التي كانت تعترض طريق حافظ الأسد الى الرئاسة".
ويواجه النظام في سوريا اليوم أكبر تحد داخلي بدأ يزعزع سيطرته شبه المطلقة على الحياة السياسية في سوريا، وذلك في مواجهة مطالبة مكونات أخرى في المجتمع السوري بالتخلص من نظام الحزب الواحد وقيام نظام سياسي تعددي جديد يضمن اجراء انتخابات حرة تمثل بصورة حقيقية ما آال اليه المجتمع السوري اليوم وتعكس تطلعاته نحو حياة سياسية حرة وعادلة.

أرقام العلويين في الخارج
وفق التقديرات يعيش في أوروبا أكثر من مليوني علوي. ويقطن العدد الأكبر منهم ألمانيا حيث يبلغ عددهم 600 ألف شخص. وهناك نحو 150 ألف آخرين في فرنسا. وقد اعترفت السلطات في النمسا رسمياً في العام الماضي بهم كطائفة دينية مستقلة، ويبلغ عدد العلويين هناك نحو 60 ألف شخص.
 
رندة حيدر

Tuesday, March 17, 2015


في ذكرى "الاندساس"!

كل عام والمندسون لا يزالون مندسين! هؤلاء الذين انطلقت بهم ثورة الحرية والكرامة في سوريا، تناقصت أعدادهم اليوم، فطوبى لهم.
أكمل المندسون عامهم الرابع منذ أن سقط أول شهيدين للثورة وخضبت دماؤهما أرض حوران المعطاء. حسام عياش ومحمود الجوابرة، لم يكونا أول من قتلتهما عصابة الأسد في سوريا، لكنهما كانا أول شهيدين تستطيع الكاميرا بالصوت والصورة توثيق سقوطهما على أيدي هذه العصابة، فلطالما قتل الأسد الأب والابن وأعوانهما أبرياء في السجون والمعتقلات والشوارع والمنازل من دون أن يتمكن أحد من توثيق ذلك إلا عبر قصص شفهية تناقلتها الألسن.

ومنذ ذلك اليوم لم يهنأ الشعب السوري بعيشة آمنة مطمئنة كريمة سالمة. منذ ذلك اليوم يدفع السوريون ثمن طموحهم للكرامة وحلمهم بالحرية. الكرامة في أن يعيشوا رجالا ونساء وأطفالا وكهولا وشيوخا عيشة إنسانية تتحقق فيها مبادئ العدل والمساواة، والحرية في قول كلمة حق عند سلطان جائر من دون خوف من قتل وملاحقة وتعذيب واغتصاب.

منذ ذلك اليوم لم تعترف المافيا الأسدية بالإنسان وبحقوقه، فكان أن وصف بشار المتعطشين لإنسانيتهم بالمندسين!

منذ ذلك اليوم تسلقت على هذه الشجرة العظيمة، شجرة الحرية والكرامة، طحالب وأعشاب سامة وضارة، مهمتها كانت أن تقتل البراعم والزهور في مهدها، وأن تحول الشجرة إلى فوضى عشوائية، فظهر على جذعها وأغصانها متفزلكون؛ وهواة سياسة ومنتفعون؛ وحملة سلاح مأجورون؛ ومدّعو صحافة وإعلام وشتّامون ونمّامون ومحطّمون للآمال؛ ومعرقلون لأي مسيرة للخير وضاربون لمصداقية أي عمل جماعي؛ وكذلك أشخاص نصبوا أنفسهم متحدثين باسم الثورة والسوريين، وآخرون بدل أن يعملوا للوطن ويخدموه أخذوا يعملون لمصالحهم الشخصية ومنافعهم، وثرثارون يدسون السم بالعسل ويشعلون الأحقاد والبغضاء في قلوب الناس ويؤلّبون الأطراف على بعضهم البعض، وطائفيون يؤججون المشاعر المذهبية والدينية على حساب الكرامة الإنسانية والحقوق العادلة.

تمكن هؤلاء الموتورين من تشتيت الانتباه وتحويل الأنظار عن جرائم مافيا دمشق، واستطاعوا بما لديهم من قوة شر أو أمراض نفسية واجتماعية أن يشغلوا مؤيدي الثورة عن هدفها الأساسي وهو التركيز على قطع رأس الأفعى، فكان أن دبت الفوضى في أوصالهم وأصبح شغلهم الشاغل كيف ينتقدون هذا ويشتمون ذاك ويستمعون إلى إشاعات ويتناقلونها كوقائع من دون التحقق من صحتها. تحولوا إلى أنانيين سوداويين لا همّ لهم سوى أنفسهم واعتقاداتهم والزاوية التي ينظرون إلى الأمور من خلالها.
تمكن الموتورون من إلهاء العاملين في مجالات الثورة إلى سبل تحقيق أرباح شخصية وتكوين ثروات على حساب الجائعين والعراة والمشردين، ومنهم من كان مشكوكا في ولائه للثورة منذ البداية فجعل من نفسه نموذجا مخزيا يشار إليه بالبنان ويقال عنه: انظروا، هذا ما أفرزته الثورة.

هكذا صار "المندسون" الأصليون الأوائل قلة، وضاع صوتهم بين ضجيج العوام والغوغائية والفساد، ناهيك عمن استهدفتهم العناصر الأسدية وأخفتهم خلف الشمس.
إنها ثورة أخلاق ومبادئ، وليست فقط ثورة ضد طغمة الأسد الفاسدة الحاقدة المجرمة، إنها الثورة التي كان يجب أن تندلع، مرآتها بدأت تعكس صورتها منذ حسام عياش ومحمود الجوابرة إلى حمزة الخطيب وثامر الشرعي ومشعل تمو وباسل شحادة وغياث مطر وحسين هرموش وأبو الفرات والشيخ أحمد الصياصنة وابراهيم القاشوش والخال غسان سلطانة والأب باولو ومي سكاف وأصالة وأسماء مشرفة أخرى كثيرة، وجميع شهداء الحق تحت براميل الموت أو صواريخ الغدر أو تعذيب المرضى الساديين لهم في المعتقلات أو بغازات الأسديين البغيضة أو بسكاكين الوحوش الشبيحة وميليشيات حزب الله أو بفعل العوامل الجوية القاسية التي ضربت مخيمات لاجئين هربوا من بطش وجور الخنازير البرية. وكذلك جنود الكاميرا الذين دفعوا أرواحهم ثمنا لنقل الصورة الحقيقية. مرآة الثورة يعكسها الصابرون على إذلال العناصر الأسدية على الحواجز في الشوارع، وعلى المعاناة من دون وسائل تدفئة وكهرباء وماء وطعام، يعكسها الجائعون في حصار مخيم اليرموك وريف دمشق وأحياء حمص وغيرها، يعكسها من خرجوا من ظلام تحت بطش الأسد إلى ظلام أكثر قتامة تحت سيطرة داعش وجنونها.

جميع هؤلاء وأشباههم هم المندسون الحقيقيون الذين كان سيخافهم بشار الأسد فعلا، وهؤلاء من يجب أن يعودوا لتتكاثر أعدادهم فيشكلوا القوة الحقيقية، قوة العدل والحب والسلام والبناء والحق والإنسانية والعقل واحترام الآخر.
وإلى أن يعودوا، طوبى للقليل ممن بقوا في خانة الاندساس، وكل عام وهم لا يزالون مندسين نظيفين شرفاء، كلمة الحق نبراسهم، والظلم عدوهم، والعقل منارتهم.

ميساء آق بيق
الثورة مستمرة

Thursday, February 19, 2015

أكثر من 20 عاما، مأساة تتكرر بوجوه مختلفة

(أي تطابق بين الأحداث المذكورة هنا وبين ما يحدث اليوم هو مجرد تكرار تاريخي!)

البوسنة والهرسك، أوائل تسعينيات القرن الماضي، ومذابح وإبادة واغتصاب وقتل جماعي يندى له الجبين. أين كان المجتمع الدولي خلال أكثر من 4 سنوات؟

جورج بوش الأب

عندما بدأت أزمة البوسنة كان الرئيس الأمريكي الجمهوري جورج بوش الأب في البيت الأبيض. أعلنت كرواتيا وسلوفينيا استقلالهما عن يوغوسلافيا السابقة وبقيت البوسنة والهرسك في وضع حرج لوجود إثنيات مختلفة فيها وهي الصرب والكروات والمسلمون البوشناق. فاندلعت فيها حرب على خلفية عرقية استهدف فيها المسلمون البوشناق بشكل أساسي، وذلك بعد أن كون صرب البوسنة قوات عسكرية وانضم لهم متطوعون واستولوا على مخازن الجيش اليوغوسلافي في البلاد.
بوش حينها كان على وشك إنهاء فترة حكمه الأولى ويستعد لخوض انتخابات رئاسية أدت إلى خسارته ووصول الديمقراطي بيل كلينتون إلى البيت الأبيض نهاية عام 1993.
كان مجلس الشيوخ الامريكي حاول الضغط على بوش لتقديم مساعدة عسكرية إلى البوسنة لكنه فشل، وبقيت الإدارة الأمريكية تتعامل مع الأزمة باعتبارها إنسانية، واستمر تطبيق قرار سابق يحظر بيع الأسلحة إلى البوسنة ساريا وهو ما جعل الصرب متفوقين عسكريا.

عام 1992 أعلنت البوسنة عن مقتل 10 آلاف طفل في ستة أشهر، فقد قام الصرب بأكبر عملية طرد للمسلمين من بيوتهم في الضواحي الجنوبية من سراييفو، في حين مات في شتاء 1993 بين 10 و15 ألف شخص بسبب البرد، وناشد الرئيس البوسني المجتمع الدولي لوقف المذابح في بلاده التي شهدت تهجير أكثر من مليون من السكان.

اتهم رئيس الكنيسة الصربية الارثوذكسية عصابات صربية متطرفة وقوات تابعة للجيش اليوغوسلافي السابق بقتل 120 ألف مسلم منذ اندلاع الحرب، (عدد سكان البوسنة كان يبلغ نحو 4 ملايين نسمة) وأضاف أن هذه العصابات دمرت أكثر من مئتي مسجد، واغتصبت أكثر من 30 ألف امرأة وفتاة أصبحت المئات منهن حوامل، (ولدن في مستشفيات كرواتية رفضت سلطاتها تقديم إحصاءات دقيقة بهذا الشأن، وأغلبهن تركن مواليدهن ورفضن استلامهن ما فتح المجال واسعا أمام عصابات بيع الأطفال لأغراض مختلفة منها استخدامهم في معامل خاصة لإجراء تجارب علمية بحسب بعض الأقوال).
رادوفان كارديتش
أحد المسؤولين عن مذبحة سربرينتشا

فرض العالم عقوبات على صربيا والجبل الأسود آخرها كان بقرار من مجلس الأمن عام 1993 هددت بكارثة اقتصادية، غير أنها لم تفلح في ثني الصرب عن استمرار حربهم، حيث رفض برلمان صرب البوسنة خطة لتقسيم البلاد إلى عشرة أقسام على أسس عرقية اقترحها مبعوث السلام ديفيد اوين دعمتها الأمم المتحدة رغم مناشدة الرئيس سلوبودان ميلوسيفتش لهم بالقبول وخسارة شعبية ضخمة لحقت به نتيجة لذلك.

الرئيس الأمريكي بيل كلينتون شكك في فاعلية الضربات الجوية كوسيلة لإنهاء الحرب التي وصفها بأنها "مثيرة للحنق". وقال في حديثه لصحيفة "بوسطن غلوب" إنه لم يقرر بعد ما الذي سيفعله لوقت التطهير العرقي معربا عن خيبة أمله إزاء الخيارات المطروحة، مضيفا: لا يمكن للولايات المتحدة أن تقرر ببساطة قصف بعض الأهداف في البوسنة لقلب الأوضاع السياسية على الأرض، وأعتقد أن علينا أن نضع استراتيجية عامة تعطي لهؤلاء الناس فرصة الحياة في سلام.
وزير خارجية البوسنة حارث سلارديتش شدد على أن التدخل العسكري كان يمكن أن ينقذ ربع مليون شخص راحوا ضحية الاعتداء الصربي.

وقد جاء في تحليل إخباري من واشطن كتبه كريستيان شيز إن التصريحات المتناقضة والمراوغة لبيل كلينتون فيما يتعلق بالملف البوسني ترسخ سمعته كرجل متردد إلى أقصى حد، يغير موقفه تبعا للأحداث، وقد وصفه بول جرينبرج كاتب افتتاحية في صحيفة أمريكية تصدر في ليتل روك ب"الرجل المطاط". فقد تحفظ البيت الأبيض على دعم خطة إعلان مناطق آمنة في الجيوب الإسلامية، معتبرا إياه مكافأة للتطهير العرقي الذي مارسه الصرب، ورفض كلينتون أن يقبع المسلمون في هذه المحميات إلى الأبد.


بيل كلينتون

كلينتون كان بدأ حملته الانتخابية بالتحدث عن فكرة استخدام القوة ضد الصرب في عمليات قصف جوي محددة وركز على الجانب الأخلاقي طارحا المشكلة كصراع بين الخير والشر، ورفض فيما بعد خطة سايروس فانس ولورد اوين لتقسيم البوسنة على أسس عرقية وأيد فقط عملية المفاوضات، ثم عاد ودعم الخريطة وبدأت إدارته بالضغط على المسلمين كي يوافقوا على الخطة أسوة بالكروات.
ما حدث هو أن كلينتون عندما قرر استخدام القوة، أرسل وزير خارجيته وارن كريستوفر للحصول على موافقة الأوربيين الذين رفضوا، وبهذا حكم كلينتون بنفسه على مبادرته بالفشل عندما أعطى الأوربيين فرصة لنقض سياسته، وبدلا من أن ينضم الأوروبيون له حدث العكس.
من الذي كان يرفض في أوروبا استخدام القوة ضد الصرب؟ كانت انجلترا وفرنسا تقودان حملة ضغط لمنع استخدام التدخل العسكري أو رفع حظر السلاح عن البوسنة، نجحت الدولتان طيلة أكثر من عام في التأجيل وطرح مساعي سلام شكلت في الواقع فرصة لاستمرار الصرب في ممارساتهم، واستطاعت الجهود البريطانية الفرنسية إفشال ضغوط ألمانيا والنمسا في أحد الخيارين: تدخل عسكري أو رفع الحظر.
وبعد هزيمة الاشتراكيين في الانتخابات الفرنسية تغير موقف البلاد إلى تأييد تدخل عسكري محدود، بينما بقيت انجلترا متمسكة بموقفها المنحاز سياسيا إلى الصرب ومقاومة أي إجراء يوقف مذابح البوسنيين، في حين كانت روسيا الداعم العسكري الأساسي للصرب. وقد أرسلت بريطانيا وزير دفاعها إلى واشنطن لعرقلة قرار أمريكي باتخاذ القوة بعد طلب قدمه أعضاء في الكونغرس، فما كان من كلينتون إلا أن خرج بتصريح يقول إن الولايات المتحدة لن تقدم على خطوة كهذه إلا بموافقة حلفائها الأوربيين. 

البوسنيون كانوا يرون في أمريكا طرفا أكثر ليونة من الأوروبيين، غير أنهم كانوا يحملون أمين عام الأمم المتحدة بطرس غالي مسؤولية كبيرة عن عدم إيجاد بدائل للمفاوضات، حيث علق سيلارديتش وزير الخارجية البوسني قائلا: إن الدكتور بطرس غالي مصمم على التفاوض حتى آخر بوسنوي! إضافة إلى لوم مبعوثي السلام التابعين للأمم المتحدة اللذين استمرا على رفضهما فكرة التدخل العسكري أو رفع الحظر.

أما الموقف العربي من الأزمة فقد كان الحلقة الأضعف، حيث لم تستطع الحكومات العربية أو الإسلامية ممارسة ضغوط سياسية على المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة، أو مقاطعة حكومة الصرب، أو تقديم دعم مالي حقيقي للبوسنيين الذين كانوا يطالبون بمبلغ 260 مليون دولار للإبقاء على كيان الدولة، علما أن دول الخليج كانت قد أبرمت صفقات عسكرية للعقد الأخير من القرن العشرين بمئتي مليار دولار، وأن حكومة حافظ الأسد بقيت طوال الوقت تتعامل تجاريا مع الصرب، ودول أخرى رفضت استقبال جرحى بوسنيين أو احتجزت طائرات محملة بالأغذية متوجهة إلى البوسنة.

فيما يتعلق بالكروات فقد تظاهروا بالحياد في حين كانوا ينهبون المعونات ويفرضون اتاوات على ما يمررونه من المساعدات، وأحيانا يستولون على حمولة الشاحنات في نقطة لاحقة، كما كانوا ينسحبون بشكل مفاجئ من مناطق إسلامية لفسح المجال أمام الصرب بالدخول إليها. وقد قدم الرئيس الكرواتي عام 2010 اعتذارا رسميا عن دور بلاده في إذكاء الانقسامات العرقية.



في ابريل/نيسان 1993 أعلنت الأمم المتحدة سربرينيتشا قرب سراييفو عاصمة البوسنة منطقة آمنة تحت حماية قوات أممية ونشرت كتيبة هولندية قوامها 400 جندي، فما كان من المتطوعين البوسنيين الذين كانوا يدافعون عن المدينة إلا أن سلموا أسلحتهم. غير أن قوة الأمم المتحدة لم تفلح في حماية المدينة التي هجم عليها الصرب وعزلوا الذكور عن الإناث وقتلوا جميع الذكور بين سن 14 و 50 عاما، ويعتقد أن عددهم فاق 8 آلاف، ودفنوهم في مقابر جماعية. وبقي أكثر المسؤولين عن هذه المذبحة هاربين من العدالة الدولية، وذلك بعد أن صنفت محكمة العدل الدولية في لاهاي ما حدث بالتطهير العرقي عن سبق الإصرار والترصد.
مذبحة تحركت على إثرها قوات الناتو في قصف جوي على الصرب مع تدخل بري محدود دفع بالصرب إلى الجلوس على طاولة المفاوضات مع البوسنيين لتوقيع اتفاقية دايتون للسلام التي أنهت حربا استمرت ثلاثة أعوام، غير أنها لم تضع البوسنيين في موقف قوي.
يقول أحد العاملين في رئاسة البوسنة أيام الحرب: إن تدخل الناتو أنهى الحرب وكان لا بد منه وإن جاء متأخرا، غير أن تأخره أضعف شروط البوسنيين في التفاوض.

وفي عام 2005 أشار أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان إلى أن اللوم يقع في تنفيذ المجزرة على منفذيها ومن ساعدهم، وعلى الدول الكبرى والأمم المتحدة الذين فشلوا في اتخاذ إجراءات كافية تمنع المجزرة..

اليوم تعيش سوريا حربا تعددت فيها الأطراف واختلف كثيرون حول من يتحمل المسؤولية فيها، غير أن تخاذل المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والدول العربية والإسلامية عن نصرة الشعب السوري ورفع المعاناة عنه لم تغيرها السنون.
ورغم أن مجموعة أصدقاء سوريا اليوم معنية كما تعلن بمساعدة السوريين لإنهاء هذه الحرب الطاحنة، إلا أن اللافت هو أن أعضاء هذه المجموعة هم أنفسهم الذين تأخروا كثيرا في تلبية نداء البوسنيين.

ملاحظة: تمكنت سراييفو عام 1984 من احتضان الألعاب الأولمبية الشتوية متغلبة على مدينة غوتنبرغ السويدية وسابورو اليابانية ما أنعش السياحة إليها، وكانت أول مدينة أوروبية وثاني مدينة في العالم بعد سان فرنسيسكو جهزت بقطار كهربائي (ترام).
تاريخيا: أنشأها العثمانيون، وشهدت اشتعال شرارة الحرب العالمية الأولى بعد مقتل أمير نمساوي وزوجته فيها.

(يرجى إرفاق رابط المدونة في حال استخدام المقال لجهات أخرى)
المراجع: أرشيف صحف البيان والخليج الإماراتيتين ومواقع مختلفة على الانترنت