Thursday, February 19, 2015

أكثر من 20 عاما، مأساة تتكرر بوجوه مختلفة

(أي تطابق بين الأحداث المذكورة هنا وبين ما يحدث اليوم هو مجرد تكرار تاريخي!)

البوسنة والهرسك، أوائل تسعينيات القرن الماضي، ومذابح وإبادة واغتصاب وقتل جماعي يندى له الجبين. أين كان المجتمع الدولي خلال أكثر من 4 سنوات؟

جورج بوش الأب

عندما بدأت أزمة البوسنة كان الرئيس الأمريكي الجمهوري جورج بوش الأب في البيت الأبيض. أعلنت كرواتيا وسلوفينيا استقلالهما عن يوغوسلافيا السابقة وبقيت البوسنة والهرسك في وضع حرج لوجود إثنيات مختلفة فيها وهي الصرب والكروات والمسلمون البوشناق. فاندلعت فيها حرب على خلفية عرقية استهدف فيها المسلمون البوشناق بشكل أساسي، وذلك بعد أن كون صرب البوسنة قوات عسكرية وانضم لهم متطوعون واستولوا على مخازن الجيش اليوغوسلافي في البلاد.
بوش حينها كان على وشك إنهاء فترة حكمه الأولى ويستعد لخوض انتخابات رئاسية أدت إلى خسارته ووصول الديمقراطي بيل كلينتون إلى البيت الأبيض نهاية عام 1993.
كان مجلس الشيوخ الامريكي حاول الضغط على بوش لتقديم مساعدة عسكرية إلى البوسنة لكنه فشل، وبقيت الإدارة الأمريكية تتعامل مع الأزمة باعتبارها إنسانية، واستمر تطبيق قرار سابق يحظر بيع الأسلحة إلى البوسنة ساريا وهو ما جعل الصرب متفوقين عسكريا.

عام 1992 أعلنت البوسنة عن مقتل 10 آلاف طفل في ستة أشهر، فقد قام الصرب بأكبر عملية طرد للمسلمين من بيوتهم في الضواحي الجنوبية من سراييفو، في حين مات في شتاء 1993 بين 10 و15 ألف شخص بسبب البرد، وناشد الرئيس البوسني المجتمع الدولي لوقف المذابح في بلاده التي شهدت تهجير أكثر من مليون من السكان.

اتهم رئيس الكنيسة الصربية الارثوذكسية عصابات صربية متطرفة وقوات تابعة للجيش اليوغوسلافي السابق بقتل 120 ألف مسلم منذ اندلاع الحرب، (عدد سكان البوسنة كان يبلغ نحو 4 ملايين نسمة) وأضاف أن هذه العصابات دمرت أكثر من مئتي مسجد، واغتصبت أكثر من 30 ألف امرأة وفتاة أصبحت المئات منهن حوامل، (ولدن في مستشفيات كرواتية رفضت سلطاتها تقديم إحصاءات دقيقة بهذا الشأن، وأغلبهن تركن مواليدهن ورفضن استلامهن ما فتح المجال واسعا أمام عصابات بيع الأطفال لأغراض مختلفة منها استخدامهم في معامل خاصة لإجراء تجارب علمية بحسب بعض الأقوال).
رادوفان كارديتش
أحد المسؤولين عن مذبحة سربرينتشا

فرض العالم عقوبات على صربيا والجبل الأسود آخرها كان بقرار من مجلس الأمن عام 1993 هددت بكارثة اقتصادية، غير أنها لم تفلح في ثني الصرب عن استمرار حربهم، حيث رفض برلمان صرب البوسنة خطة لتقسيم البلاد إلى عشرة أقسام على أسس عرقية اقترحها مبعوث السلام ديفيد اوين دعمتها الأمم المتحدة رغم مناشدة الرئيس سلوبودان ميلوسيفتش لهم بالقبول وخسارة شعبية ضخمة لحقت به نتيجة لذلك.

الرئيس الأمريكي بيل كلينتون شكك في فاعلية الضربات الجوية كوسيلة لإنهاء الحرب التي وصفها بأنها "مثيرة للحنق". وقال في حديثه لصحيفة "بوسطن غلوب" إنه لم يقرر بعد ما الذي سيفعله لوقت التطهير العرقي معربا عن خيبة أمله إزاء الخيارات المطروحة، مضيفا: لا يمكن للولايات المتحدة أن تقرر ببساطة قصف بعض الأهداف في البوسنة لقلب الأوضاع السياسية على الأرض، وأعتقد أن علينا أن نضع استراتيجية عامة تعطي لهؤلاء الناس فرصة الحياة في سلام.
وزير خارجية البوسنة حارث سلارديتش شدد على أن التدخل العسكري كان يمكن أن ينقذ ربع مليون شخص راحوا ضحية الاعتداء الصربي.

وقد جاء في تحليل إخباري من واشطن كتبه كريستيان شيز إن التصريحات المتناقضة والمراوغة لبيل كلينتون فيما يتعلق بالملف البوسني ترسخ سمعته كرجل متردد إلى أقصى حد، يغير موقفه تبعا للأحداث، وقد وصفه بول جرينبرج كاتب افتتاحية في صحيفة أمريكية تصدر في ليتل روك ب"الرجل المطاط". فقد تحفظ البيت الأبيض على دعم خطة إعلان مناطق آمنة في الجيوب الإسلامية، معتبرا إياه مكافأة للتطهير العرقي الذي مارسه الصرب، ورفض كلينتون أن يقبع المسلمون في هذه المحميات إلى الأبد.


بيل كلينتون

كلينتون كان بدأ حملته الانتخابية بالتحدث عن فكرة استخدام القوة ضد الصرب في عمليات قصف جوي محددة وركز على الجانب الأخلاقي طارحا المشكلة كصراع بين الخير والشر، ورفض فيما بعد خطة سايروس فانس ولورد اوين لتقسيم البوسنة على أسس عرقية وأيد فقط عملية المفاوضات، ثم عاد ودعم الخريطة وبدأت إدارته بالضغط على المسلمين كي يوافقوا على الخطة أسوة بالكروات.
ما حدث هو أن كلينتون عندما قرر استخدام القوة، أرسل وزير خارجيته وارن كريستوفر للحصول على موافقة الأوربيين الذين رفضوا، وبهذا حكم كلينتون بنفسه على مبادرته بالفشل عندما أعطى الأوربيين فرصة لنقض سياسته، وبدلا من أن ينضم الأوروبيون له حدث العكس.
من الذي كان يرفض في أوروبا استخدام القوة ضد الصرب؟ كانت انجلترا وفرنسا تقودان حملة ضغط لمنع استخدام التدخل العسكري أو رفع حظر السلاح عن البوسنة، نجحت الدولتان طيلة أكثر من عام في التأجيل وطرح مساعي سلام شكلت في الواقع فرصة لاستمرار الصرب في ممارساتهم، واستطاعت الجهود البريطانية الفرنسية إفشال ضغوط ألمانيا والنمسا في أحد الخيارين: تدخل عسكري أو رفع الحظر.
وبعد هزيمة الاشتراكيين في الانتخابات الفرنسية تغير موقف البلاد إلى تأييد تدخل عسكري محدود، بينما بقيت انجلترا متمسكة بموقفها المنحاز سياسيا إلى الصرب ومقاومة أي إجراء يوقف مذابح البوسنيين، في حين كانت روسيا الداعم العسكري الأساسي للصرب. وقد أرسلت بريطانيا وزير دفاعها إلى واشنطن لعرقلة قرار أمريكي باتخاذ القوة بعد طلب قدمه أعضاء في الكونغرس، فما كان من كلينتون إلا أن خرج بتصريح يقول إن الولايات المتحدة لن تقدم على خطوة كهذه إلا بموافقة حلفائها الأوربيين. 

البوسنيون كانوا يرون في أمريكا طرفا أكثر ليونة من الأوروبيين، غير أنهم كانوا يحملون أمين عام الأمم المتحدة بطرس غالي مسؤولية كبيرة عن عدم إيجاد بدائل للمفاوضات، حيث علق سيلارديتش وزير الخارجية البوسني قائلا: إن الدكتور بطرس غالي مصمم على التفاوض حتى آخر بوسنوي! إضافة إلى لوم مبعوثي السلام التابعين للأمم المتحدة اللذين استمرا على رفضهما فكرة التدخل العسكري أو رفع الحظر.

أما الموقف العربي من الأزمة فقد كان الحلقة الأضعف، حيث لم تستطع الحكومات العربية أو الإسلامية ممارسة ضغوط سياسية على المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة، أو مقاطعة حكومة الصرب، أو تقديم دعم مالي حقيقي للبوسنيين الذين كانوا يطالبون بمبلغ 260 مليون دولار للإبقاء على كيان الدولة، علما أن دول الخليج كانت قد أبرمت صفقات عسكرية للعقد الأخير من القرن العشرين بمئتي مليار دولار، وأن حكومة حافظ الأسد بقيت طوال الوقت تتعامل تجاريا مع الصرب، ودول أخرى رفضت استقبال جرحى بوسنيين أو احتجزت طائرات محملة بالأغذية متوجهة إلى البوسنة.

فيما يتعلق بالكروات فقد تظاهروا بالحياد في حين كانوا ينهبون المعونات ويفرضون اتاوات على ما يمررونه من المساعدات، وأحيانا يستولون على حمولة الشاحنات في نقطة لاحقة، كما كانوا ينسحبون بشكل مفاجئ من مناطق إسلامية لفسح المجال أمام الصرب بالدخول إليها. وقد قدم الرئيس الكرواتي عام 2010 اعتذارا رسميا عن دور بلاده في إذكاء الانقسامات العرقية.



في ابريل/نيسان 1993 أعلنت الأمم المتحدة سربرينيتشا قرب سراييفو عاصمة البوسنة منطقة آمنة تحت حماية قوات أممية ونشرت كتيبة هولندية قوامها 400 جندي، فما كان من المتطوعين البوسنيين الذين كانوا يدافعون عن المدينة إلا أن سلموا أسلحتهم. غير أن قوة الأمم المتحدة لم تفلح في حماية المدينة التي هجم عليها الصرب وعزلوا الذكور عن الإناث وقتلوا جميع الذكور بين سن 14 و 50 عاما، ويعتقد أن عددهم فاق 8 آلاف، ودفنوهم في مقابر جماعية. وبقي أكثر المسؤولين عن هذه المذبحة هاربين من العدالة الدولية، وذلك بعد أن صنفت محكمة العدل الدولية في لاهاي ما حدث بالتطهير العرقي عن سبق الإصرار والترصد.
مذبحة تحركت على إثرها قوات الناتو في قصف جوي على الصرب مع تدخل بري محدود دفع بالصرب إلى الجلوس على طاولة المفاوضات مع البوسنيين لتوقيع اتفاقية دايتون للسلام التي أنهت حربا استمرت ثلاثة أعوام، غير أنها لم تضع البوسنيين في موقف قوي.
يقول أحد العاملين في رئاسة البوسنة أيام الحرب: إن تدخل الناتو أنهى الحرب وكان لا بد منه وإن جاء متأخرا، غير أن تأخره أضعف شروط البوسنيين في التفاوض.

وفي عام 2005 أشار أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان إلى أن اللوم يقع في تنفيذ المجزرة على منفذيها ومن ساعدهم، وعلى الدول الكبرى والأمم المتحدة الذين فشلوا في اتخاذ إجراءات كافية تمنع المجزرة..

اليوم تعيش سوريا حربا تعددت فيها الأطراف واختلف كثيرون حول من يتحمل المسؤولية فيها، غير أن تخاذل المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والدول العربية والإسلامية عن نصرة الشعب السوري ورفع المعاناة عنه لم تغيرها السنون.
ورغم أن مجموعة أصدقاء سوريا اليوم معنية كما تعلن بمساعدة السوريين لإنهاء هذه الحرب الطاحنة، إلا أن اللافت هو أن أعضاء هذه المجموعة هم أنفسهم الذين تأخروا كثيرا في تلبية نداء البوسنيين.

ملاحظة: تمكنت سراييفو عام 1984 من احتضان الألعاب الأولمبية الشتوية متغلبة على مدينة غوتنبرغ السويدية وسابورو اليابانية ما أنعش السياحة إليها، وكانت أول مدينة أوروبية وثاني مدينة في العالم بعد سان فرنسيسكو جهزت بقطار كهربائي (ترام).
تاريخيا: أنشأها العثمانيون، وشهدت اشتعال شرارة الحرب العالمية الأولى بعد مقتل أمير نمساوي وزوجته فيها.

(يرجى إرفاق رابط المدونة في حال استخدام المقال لجهات أخرى)
المراجع: أرشيف صحف البيان والخليج الإماراتيتين ومواقع مختلفة على الانترنت

Sunday, February 1, 2015


حين صارت ماليزيا أفضل من سوريا!

"ماليزيا.. آسيا الحقيقية" أو Malaysia Truly Asia، إعلان تلفزيوني يمر ضمن جملة إعلانات نشاهدها بين الوقت والآخر.. إعلان يحوي صورا جميلة وجذابة تدعو للسياحة في هذا البلد الآسيوي القريب من خط الاستواء.. وعندما تسافر إلى هناك لا تجد فعليا من الناحية السياسية ما يبهرك!
فهي ليست نيويورك في صخبها وتحررها، ولا أوروبا أو الشرق الأوسط في معالمهم التاريخية العريقة، ولا دبي في بذخها ورفاهيتها المبالغ فيها، ولا شواطئ الكاريبي في الرمل الابيض الناعم ومياه البحر الصافية..
الغروب في جزيرة لانكاوي



عندما زار رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد سوريا في خمسينيات القرن الماضي قال: أريد أن تصبح ماليزيا مثل سوريا.. فكيف تبدو ماليزيا؟

إنها دولة مغرقة في البساطة والهدوء حصلت على الاستقلال في صيف عام 1957 وتوحدت ولاياتها بعد ذلك على أرض مساحتها أكثر من 300 ألف كيلومتر مربع ونظام الحكم فيها ملكي دستوري.. تتنوع ثرواتها بين المنتجات الزراعية والقصدير والبترول، غير أنها صارت خلال فترة سريعة دولة تجارية وصناعية تصنف بين أكثر 8 دول إسلامية نموا، ساعدها في ذلك استثمارات يابانية وكورية جنوبية متميزة، واليوم هي من أكبر مصنعي الأقراص الصلبة الحاسوبية.. ورغم معاناة اقتصادية مرت بها أواخر القرن الماضي إلا أنها رفضت مساعدات مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتعلمت من خبرات اقتصادية عالمية فعاد اقتصادها للانتعاش، وصارت من أرقى الجهات تعليميا وصحيا في المنطقة واستقرت عملتها استقرارا لافتا وغدت قوية وثابتة..



عدد سكانها يدور في فلك 30 مليون نسمة يدين نحو 60% منهم بالإسلام وأغلبهم من العرق المالاوي، ونحو 20% بالبوذية و9% بالمسيحية وأكثر قليلا من 6% بالهندوسية.. أما عرقيا فيشكل المالاويون نحو 50% والصينيون نحو 22% والبومبيوترا نحو 11% والهنود نحو 6 ونصف في المئة، وغير ذلك.. جميعهم يتعايشون بسلام وهدوء ويعملون سويا بشكل منظم لتطوير البلاد.. امتزجت بين سكان ماليزيا الثقافة الإسلامية وأخلاقها في التعامل مع الآخر بالثقافة البوذية الروحانية التي تميل إلى السلام، فبدا الجميع هناك مطمئنين داخليا..
ومنذ أن قررت حكومات ماليزيا محاربة الفقر اختلف المشهد في هذه البلاد، فزائرها لا يصادف متسولين ولا يرى مظاهر بؤس أو فقر شديد، بل نظافة في المساكن والشوارع والمطاعم (على تواضع أكثرها)، والتزام بقوانين السير والعمل والحياة المجتمعية.. صحيح أنه يلاحظ تواضع أكثر المساكن لكن من اللافت أن الجميع راض بقسمته ورزقه ويسعى للإبقاء عليه وتحسينه بالعمل الدؤوب، بابتسامة وإيمان وثقة..



هناك سمات لافتة في الشعب الماليزي يلحظها الزائر، فهم لا يكذبون بشكل عام، وغير نصابين أو غشاشين، إذ عندما تسأل سائق التاكسي الذي ليس لديه عداد في سيارته مثلا كم يكلف المشوار إلى المكان الفلاني ويطلب منك مبلغا معينا، ستجد الجميع غيره يطلبون نفس المبلغ لا يزاودون على بعضهم البعض.. بالطبع تختلف قليلا أسعار الخدمات المؤمنة عن طريق فنادق الخمس نجوم لكن الفارق يبقى معقولا.. فيما عدا ذلك لا ينتشر الفساد ولا مجال هناك للفصال، إذ إن الأسعار ثابتة ومعقولة، محددة بالضريبة ورسوم الخدمة..
مركز لتحفيظ القرآن لتلاميذ المدارس
كوالالمبور



المسلمون ملتزمون ومعتدلون، ولديهم خط تنظيمي هادئ، لا يتحكم فيهم التطرف ولا يسيئون لفظيا أو فعليا للنساء السافرات، يحترمون الحرية الشخصية طالما أن الإنسان لا يخترق القانون ولا يزعج الآخرين.. وهم يتفهمون أن الانفتاح السياحي في بلادهم يعني تعددا في نوعيات الزائرين، وهكذا صار الهدوء الاجتماعي سمتهم، بالترافق مع حب لوطنهم وملكهم وقيادتهم التي لم تقصر في تحقيق الأفضل للبلاد..
مخطوطة الشهناما الشهيرة في المتحف الإسلامي
كوالالمبور



بعد ذلك سيتساءل البعض: ما هو سر التطور في النمو والاقتصاد والعمران، وماذا يميز هذه البلاد عنا؟
إنه حبهم للسلام ونظرهم للمستقبل ومعرفتهم كيف يختارون حلفاءهم، وابتعادهم عن الأنانية الفردية مقابل الصالح العام والتفافهم حول حكومتهم حتى لو أخطأت، فهم قادرون على محاسبتها بالقانون والعمل المؤسساتي..
باختصار، إنه الشعب..

الحقوق محفوظة

Wednesday, January 7, 2015

(9)
النصر والحزن!
معركة كوسوفو التاريخية، نهاية حقبة


تزوج مراد في حياته خمس نساء، الأولى وهي والدة بايزيد يلديرم هي "كل جيجك خاتون" والثانية بنت ملك بلغاريا ماريا ثمارا، والثالثة باشا ملك، والرابعة بنت من آل جاندار، والخامسة بعد وفاة الأولى بنت والي بلغاريا.
وأنجب ستة ذكور هم بايزيد يلديرم، يعقوب جلبي، صاوجي بك، ابراهيم بك، ياهشي بك، وخليل بك، وثلاثا من الإناث هم أوزر، وسلطان، ونفيسة ملك سلطان..
وإضافة إلى أن مساحة الدولة العثمانية توسعت عشرات آلاف الكيلومترات المربعة، فقد تم أيضا في عهد مراد تصميم العلم العثماني بشكله وألوانه مستمرا منذ أكثر من ستة قرون حتى اليوم..


العلم التركي


أثناء حكم السلاطين الأوائل خفضت الضرائب أو كادت تنعدم، ولم يضطهد أي من أهل الذمة من غير المسلمين، ولم يجر الاستيلاء على أملاكهم أو أبنائهم أو بناتهم أو بيعهم، وكان الحكام "الباديشاه" غير جشعين فكل ما يدخل أيديهم ينفقونه دفعة واحدة، ولم يكونوا يعلمون شيئا عن الكنوز.
كما كان السلاطين خجولين أمام العلماء، وملتزمين بما يوعظون به من كلام الله، وكان العلماء يهجرون الحكام إذا لم يطيعوا كلامهم، وحين تقترف الرعية ذنبا يقف لهم العلماء والحكام بالمرصاد.. 
أحب العثمانيون سلاطينهم وأخلصوا لهم الوفاء، تعلقوا بهم إلى درجة التقديس أحيانا، لم يخطر ببال فرد خلال سبعة قرون الانقلاب على حكومته، لأن السلطان لم يكن يجرؤ على مخالفة الشرع، وكان يستفتي أولى الأمر المختصين بالأمور الدينية وسائر شؤون الدولة كي يحصل على رضاء الله تعالى وكسب تأييد الرعية..

كانت اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية للدولة السلجوقية في بلاد الأناضول، إلا أن العثمانيين استخدموا اللغةالتركية لغة رسمية بدلا عن تلك، لكنهم لم يدرسوها للشعب بل كانت اللغة العربية هي السائدة.
وكان السلاطين والأمراء يجيدون اللغة العربية، اتخذوها وسيلة لتعلم الدراسات الإسلامية المنصوص عليها في نظام تربية الأمراء في القصر العثماني. وقد تأثر الأدب التركي بالأدب العربي كثيرا وكانت العلوم والآداب تدرس باللغة العربية.

اختلط الأتراك بسكان آسيا الوسطى واجتاحوا المدن وشرعوا بدعوة الناس إلى دين الإسلام، وأدخلوا في بنائهم السكاني كثيرا من الأقوام التي اختلطوا بها ومنحوها حقوق المواطنة كاملة ومنهم من ارتقى إلى أعلى المناصب..

كان السلطان هو القوة المؤثرة الأولى سياسيا وعسكريا، وكان مراد الأول قد تلقب بعد فتح أدرنة بخليفة الله، ثم تنازل الخليفة العباسي في القاهرة عن لقب الخليفة للسلطان سليم الأول لاحقا..

في هذه الأثناء، في الشرق رافق تيمورلنك ((راجع الحلقة 6)) الأمراء المتنفذين والقادة العسكريين
دولة تيمور لنك
وعمل على جمع قوة عسكرية تأتمر بأمره وبدأ نجمه بالسطوع عام 1360م 761هـ وقد اتصف بالذكاء والحكمة والشجاعة واشتهر بالمشاركة في حروب أهلية دارت في بخارى وهو في عمر الرابعة والعشرين.. استولى على الملك عام 1371م وشرع في غزوات عظيمة، ووجه قوته إلى بلاد فارس وأخضعها عام 1380م 782هـ، ثم دخل خراسان وبعدها طرد حاكم تبريز قرا محمد التركماني وفرض على أصفهان غرامة كبيرة لانتفاضتها على حكمه، واجتاز نهر الرس في بلاد ارمينية واستمر في حروب هائلة مدة ست سنوات قبل أن يدخل بلاد الهند ويستولي على دلهي ويذبح أعدادا كبيرة من الهنود فخضع له أمراء تلك المناطق، ووصل إلى الفولغا وموسكو ثم تحرك نحو العراق وأطراف الدولة المملوكية في حركة دائرية كما سيطر على بلاد الأفغان.
وهكذا استطاع تيمورلنك في سنوات معدودة أن يؤسس دولة واسعة الأرجاء تمتد من سهوب سمرقند إلى بلاد الأفغان والهند وإيران حتى بلاد أرمينا وكردستان، وبذلك يكون قد جاور الدولة العثمانية ودولة المماليك الثانية في مصر وبلاد الشام والحجاز، والدولة التركمانية القراقوينلو (الخراف السود) في شرق الاناضول.
قرر هذا القائد أن يخضع كافة الحكام في دولته ليدينوا بالولاء له، وادعى أن واجبه كمسلم مؤمن يحتم عليه توحيد العالم الإسلامي تحت رايته واضطهاد المسيحيين لكنه ارتكب أعمالا وحشية ضد المسلمين خلال حملاته.
كان عليه مواجهة السلطان العثماني بايزيد الأول ابن مراد الأول الذي كانت رسائله تثير غضبه لأنها تدل على عدم خضوعه له، لكنه قرر قبل الهجوم على الأناضول تأمين جناحه الأيسر بإخضاع بلاد الشام لأن حكامها المماليك وقفوا ضده.

Sunday, December 28, 2014

(8)
فساد الحكام وسقوط الاسكندرية 
وانتهاء حكم المماليك البحرية


خلال نحو أربعين عاما هي الفترة بين وفاة السلطان الناصر محمد ((راجع الحلقة 5)) وسقوط دولة المماليك البحرية، استشرى الفساد في البلاط المملوكي والدوائر الحاكمة، وحكم اثنا عشر سلطانا، ثمانية من أولاد الناصر محمد في السنوات العشرين التي تلت وفاته، وأربعة من أحفاده خلال عقدين، أي بمعدل ثلاث سنوات ونصف لحكم كل سلطان..
لم يستطع أحد أن يملأ الفراغ الذي تركه السلطان الناصر، غير أن حكم الأسرة استمر بسبب حب واحترام الناس لعائلة قلاوون، وكانت سنوات بؤس وشقاء، سيطر عليها صراع الاستئثار بالنفوذ والمال بين أمراء المماليك على حساب الاهتمام بشؤون السلطنة، في ظل حكم صوري للسلاطين، وسلطة كبار الأمراء الحقيقية، باستثناء السلطان الناصر حسن بن الناصر محمد الذي حكم مرتين.. 

تولى سيف الدين أبو بكر الحكم بعد والده السلطان الناصر محمد.. كان عمره عشرون عاما ويشتهر بالقسوة والغطرسة، ومنذ ذلك الحين بدأ الانقسام بين المماليك.. تحكم أتابك العسكر قوصون الناصري بالأمور، فخلع سيف الدين ونصب أخاه علاء الدين كجك الذي لقب بالملك الأشرف ولم يكن قد تجاوز الست سنوات من عمره.. قوصون لم يكن محبوبا قط، لم تتوافر فيه شروط المماليك، ولم يشتر في بداية حياته كالباقين، بل حضر إلى السلطان الناصر محمد من تلقاء نفسه في حاشية زوجته المغولية ووهب نفسه للسلطان بمحض إرادته، وهكذا لم تكن له تلك المكانة الاجتماعية التي كانت للمماليك في ذلك الوقت. وانتهى قوصون مقتولا على يد ايدغمش الذي خلع السلطان كجك بعد خمسة أشهر على تنصيبه ونصب الأمير أحمد وعمره 24 عاما ولقبه الملك الناصر.




أحمد الذي لم يرغب في تسلم الحكم أقنعه إخوته وعداوته لقوصون بالموافقة.. وباعتباره كان يهوى الحياة في الكرك عين الأمير آق سنقر نائبا عنه في مصر، فخلت القاهرة من سلطان حاكم وعمت الفوضى وسوء النظام والاضطرابات.. وعندما كتب الأمراء إلى السلطان يرجونه بالعودة أجابهم: "إنني قاعد في موضع أشتهي وأي وقت أردت حضرت إليكم"
فما كان منهم إلا أن خلعوه بعد شهرين واثني عشر يوما من توليه السلطنة ونصبوا أخاه اسماعيل عام 1342 وعمره 17 سنة ولقبوه بالملك الصالح.. عندها ثار أحمد عليه في الكرك، غير أن اسماعيل عاجله بقوة عسكرية حاصرته ثلاث سنوات قاوم خلالها ببسالة ثم استسلم نتيجة نفاذ الأقوات وانفضاض أتباعه عنه، وتم القبض عليه وقتله حيث أرسل رأسه إلى السلطان.

اسماعيل كان مولعا بالنساء، وقد تعلق بجارية سوداء كانت تغني له حتى صارت له أفضل سلوة في آخر أيامه مما صرفه عن إدارة شؤون الدولة، وظهر أثر نفوذ نسائه وحاشيته واضحا وانخفضت إيرادات الدولة. وقد أصاب المرض اسماعيل وتوفي بعد أن حكم ثلاث سنوات وشهرا وثمانية عشر يوما، فتولى الحكم من بعده أخوه شعبان ولقب بالملك الكامل، وهذا الأخير لم يكن أفضل حالا، فكان عابثا ماجنا مستهترا بمصالح الحكم، واشتد الاستياء من حكمه عندما قتل أخاه كجك وقبض على أخويه حاجي وحسين وسجنهما تمهيدا لقتلهما.. وازدادت رذائله حتى وصل التذمر إلى بلاد الشام فثار عليه نائب الشام يلبغا اليحياوي وكتب إليه:
"إنك أفسدت وأفقرت الأمراء والأجناد وقتلت أخاك وقبضت على أكابر أمراء السلطان، واشتغلت عن الملك والتهيت بالنساء وشرب الخمر وصرت تبيع أخباز الأجناد بالفضة"


تدهورت أحوال السلطنة في عهده وانخفض الدخل وتعطل الحج السنوي، وعندما طلب منه الأمراء التخلي عن الحكم هرب الى بيت أمه حيث ألقي القبض عليه وسجن في المكان الذي سجن فيه أخويه.. ولم يلبث أخوه السلطان حاجي أن أمر بقتله بعد ثلاثة أيام فقتل خنقا.

بعد ذلك جرى تنصيب السلطان حاج بن الناصر محمد ولقب بالملك المظفر زين الدين حاجي عام 1346 وكان عمره 11 سنة وأظهر من الخلاعة وفساد الخلق ماجعل عهده أسوأ من عهود أسلافه، وكان يجتمع بأوباش الناس وطبقاتهم المنحطة يلعبون معا في الحمام تاركا شؤون الحكم، كما أنه بذل الأموال لجواريه واختص بواحدة منهم كانت قبله حظية لسلطانين.
وفي عهده عمد الأمير شيخو نائب السلطنة وهو شركسي الأصل على إعلاء شان المماليك الشركسية ما ولد الحقد في نفوس المماليك البحرية، كما ضربت البلاد موجة من القحط والجفاف أهلكت الحرث والنسل بينما كان منغمسا في الملذات، حاول اثنان من المقربين منه تنبيهه إلا أنه بدلا من أن يرتدع قبض عليهما وكاد أن يقتلهما لكنهما تمكنا من الفرار. وانتهى أمره أخيرا بأن قتله الأمراء المعارضون بعد عامين من الحكم. وهكذا جاء السلطان الناصر حسن إلى السلطنة وعمره 11 عاما ولقب بالناصر أبو المحاسن حسن وظل ثلاث سنوات شبه محجور عليه حيث استأثر وزيره منجك اليوسفي بالنفوذ، لكن الطاعون اجتاح البلاد عام 1349 وحصد كثيرا من الناس وتأثرت الحياة الاقتصادية حتى كادت تتوقف تماما وتوقفت الحال بالقاهرة ومصر.

وقد أدى الصراع بين الأمراء إلى القبض على السلطان وسجنه في القلعة ثلاث سنوات قضاها في الدرس والعبادة إلى أن عاد مرة ثانية عام 1354م 755هـ ، وحاول التخلص من الأمراء المتنازعين على النفوذ فاشتبك مماليكه الخاصون مع المماليك المتنفذين في معركة دارت رحاها في شوارع القاهرة وتمكن السلطان بعدها من مباشرة الحكم بنفسه ولكن ليس لفترة طويلة.
ازداد نفوذ الامير يلبغا العمري واعترض على تصرفات السلطان وعلى منحه الإقطاعات الكبيرة للنساء، فحاول السلطان التخلص منه لكن يلبغا اصطدم به وتغلب عليه وولى السلطان هاربا إلى قلعة الجبل، فما كان من يلبغا إلا أن لحق به وقتله واستولى على خزائنه، لينتهي عهد أبناء الناصر محمد ويبدأ عهد أحفاده.




وعلى رغم أن أول الأحفاد صلاح الدين بن السلطان حاجي كان في الرابعة عشرة من عمره عندما نصبه يلبغا سلطانا، إلا أنه انغمس في اللهو والطرب وأدمن على شرب الخمر حتى كاد لايفيق ساعة واحدة.
بعده تولى السلطان شعبان بن حسين بن الملك الناصر (الملك الأشرف أبو المعالي زين الدين) عام 1363 وكان عمره 10 سنوات وظل في الحكم 14 عاما. ونزلت في عهده اسوأ مصيبة يمكن أن تنزل في بلد كان يشبه امبراطورية كبيرة يشار إليها بالبنان.


الفساد والاضطرابات سالفة الذكر التي حلت في مصر أفقدت الدولة لمكانتها وهيبتها فاستخف الأعداء بها وطمع الطامعون في أراضيها.. وهكذا كانت بداية النهاية من قبرص.. 

هناك كان الملوك من آل لوزنيان يتخذون من الجزيرة قاعدة لتهديد السفن والتجارة الإسلامية في شرق المتوسط، وكانوا ينفذون بين الحين والآخر غارات على بعض الموانئ.. كانت قبرص مقرا للأجانب الذين طردوا من الشام وعكا حيث استقروا فيها.. 
في عام 1359م 760هـ اعتلى العرش بطرس الأول لوزنيان واشتهر بقوة شخصيته وحماسته الدينية الفذة.. ومنذ ارتقائه العرش أراد أن يجعل من نفسه بطل المسيحية الأول في عصره ففكر في حملة كبرى يضرب بها المسلمين ضربة قوية. وباعتبار أن مشروعا كهذا يحتاج الى استعدادات ضخمة وأموال طائلة وأعداد كبيرة من المقاتلين، فقد قام برحلة طويلة إلى غرب أوروبا لاستجداء العون.. هذه الرحلة امتدت ثلاثة أعوام بين 1362 و1365.




في ذلك الوقت كانت أوروبا على أعتاب الدخول في عصر النهضة، والناس يبتعدون تدريجيا عن الكنيسة، ولم تعد العصبية الدينية بتلك القوة التي جمعتهم بداية حروب الفرنجة في القرن العاشر، ولهذا لاقى بطرس الأول صعوبة في جمع العتاد الذي أراده، فالعساكر الألمانية أحجمت ولم يأت من نبلاء الفرنسيين والانجليز إلا مجموعة من إيمييه، غير أن عددا كبيرا من صغار الفرسان لبوا نداءه.
اجتمع في البندقية جيش ضخم كان له الأثر الكبير في الحملة، وبعد تردد من الجنويين شاركوا بثلاث سفن وبارك البابا أوربان الخامس الحملة.
حرص ملك قبرص على كتمان وجهة حملته فاحتشدت الجيوش في جزيرة رودس في شهر ذي الحجة عام 766هـ آب اغسطس 1365م وانطلقت الحملة بعد نحو شهرين حيث تألفت من مئة وخمس وستين سفينة أقلت حمولة كاملة من الرجال بلغ عددهم أكثر من ثلاثين ألفا إضافة إلى العتاد والمؤن. وبعث بطرس بنداء إلى مسيحيي بلاد الشام يخبرهم بعودته تمويها لوجهة حملته، ولما وصلت السفن إلى عرض البحر جرى الإعلان بأن الحملة تقصد الاسكندرية في مصر.

كان بطرس يهدف إلى تحضير قاعدة على الساحل لغزو بلاد الشام فيما بعد، واعتقد أن فقدان مصر لثغر دمياط سيجعل حكام البلاد يتنازلون عن بيت المقدس مقابل استرداده، والاسكندرية تفوق في أهميتها ثغر دمياط، كما أن من يستولي على هذه المدينة يستطيع أن يعترض مسير المواصلات بين مصر والعالم الخارجي فيضع البلاد تحت حصار اقتصادي ومن ثم يتوجه إلى القاهرة ويقضي على عاصمة المماليك.
وعلى رغم أن أخبار الحملة طارت مع التجار إلى مصر قبل الهجوم إلا أن أحدا لم يبد اهتماما بهذه الأخبار بل إن يلبغا قال بتبجح: "إن القبرصي أقل وأذل من أن يأتي لمهاجمة الاسكندرية"!

كان نائب الاسكندرية صلاح الدين خليل بن عرام غائبا في رحلة حج، وناب عنه أمير صغير هو جنغرا الذي عرف عنه الضعف والتردد، وكانت حامية المدينة ضئيلة العدد بسبب عدم اهتمام يلبغا بتحصينها رغم إلحاح نائبها، وكان الوقت موسم فيضان النيل، والطريق بين القاهرة والاسكندرية مملوء بالطين لا يصلح لوصول نجدة عسكرية سريعة لإنقاذ المدينة، بل كان على النجدة أن تسلك طريق الصحراء الطويل والشاق.
وهكذا وصلت حملة بطرس في 23 محرم 767هـ التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 1365م، وظن السكان في بادئ الامر أن أسطولا تجاريا رسى في مينائهم وسارعوا لعقد الصفقات التجارية، لكنهم فوجئوا بوابل من السهام يضرب بهم، عندها هرع الجميع لأخذ الاحتياطات والاستعدادات وإغلاق الأبواب وشحن القلاع واستُدعي عرب البحيرة للمساعدة في الدفاع عن المدينة لكنهم ولّوا هاربين بعد قليل، فالغزاة كانوا يفوقونهم عددا وعدة وتمكنوا من أن يشقوا طريقا لهم إلى الشاطئ، فتراجع جنغرا مع قواته واحتموا وراء الأسوار ودارت بين الطرفين اشتباكات تركزت في الجانب الغربي من الميناء.
حاول الأعداء اختراق أبواب المدينة من هذه الناحية وفشلوا فاتجهت قواتهم إلى الجانب الشرقي حيث وجدوا ثغرة أهملها الحكام وهي فتحة قناة الخليج التي تصب في البحر من تحت السور في الميناء الشرقية، تسلقوا الحائط من سلمه الداخلي وأشعلوا النار في باب الديوان (الجمرك) المجاور لها. وقد تعذر على الأهالي الانتقال السريع من الغرب إلى الشرق نظرا لوجود بعض الأبراج الحائلة فأسقط في أيديهم وعم الاضطراب داخل صفوفهم. وعندما اعتقد جنغرا أن المدينة سقطت لاذ بالفرار التماسا للنجاة.




ولم يحل منتصف النهار حتى كان الفرنجة داخل المدينة واستمر بعض القتال في الشوارع لكن محاولة رد الأعداء فشلت فأخذ السكان يفرّون بشكل جنوني بينما انقضت عليهم جيوش الأعداء من كل جانب انقضاضا وحشيا، ولم يفرقوا بين مسلم ومسيحي ويهودي فقتلوا وأسروا عددا كبيرا من الرجال والنساء، ونهبوا الحوانيت والدور وأحرقوا الخانات والقصور وخربوا المساجد والزوايا واعتدوا على النساء والفتيات.
"وكانت هذه الواقعة من أشنع مامرّ بالاسكندرية من الحوادث ومنها اختلت أحوالها واتضع أهلها وقلت أموالهم وزالت نعمهم" (المقريزي).

عقد الملك بطرس اجتماعا تشاوريا في محاولة لإعادة الأمن إلى نصابه وكان يرى ضرورة الاستقرار في المدينة لتنفيذ مشروعه، لكن أغلبية من جاءوا معه خالفوه الرأي وأرادوا الانسحاب بسرعة والغنيمة بما سلبوه من المدينة قبل وصول جيش النجدة من القاهرة، إذ كان السكان أحرقوا أبواب المدينة أثناء فرارهم كي لا يستطيع من بداخلها الدفاع عن نفسه، وقد رأى معارضو الملك بطرس أن الزحف نحو القاهرة بات مستحيلا بسبب تدمير الجسر الواقع على القناة الكبيرة الذي يجتازه الطريق إلى القاهرة، كما سمعوا بأنباء عن جيش من المماليك أعده السلطان لاستعادة الاسكندرية فرفضوا الاشتباك مع هذا الجيش وهم غير مهيئين لذلك.
وكان السلطان شعبان خرج على رأس جيش كبير مع الأتابك يلبغا وقبل وصوله أرسل طليعة عسكرية سريعة بقيادة ثلاثة من الأمراء هم قطلوبغا المنصوري وكوندك وخليل بن قوصون لنجدة المدينة، فانسحب الملك بطرس الأول وجميع مرافقيه بعد أسبوع كامل من دخولهم الاسكندرية.

كانت الخلافات الداخلية والفساد والنزاع على السلطة مفتاحا لتجرؤ الأعداء على الغزو والقتل والسلب والنهب، غير أن الظروف التي أحاطت بالسلطنة لم تمنع أهلها من تجهيز جيش ضخم خاف الغزاة منه وولوا هاربين قبل وصوله. كانت القوة العسكرية هي التي أظلت البلاد بهيبتها أمام الآخرين، وكلما تنازل أهل البلاد عن قوتهم واستعداداتهم العسكرية كلما كانوا لقمة سائغة لكل من تسول له نفسه في استغلالهم والسيطرة عليهم.

Friday, December 26, 2014

رحلة اللجوء ومتاعبها


يتزايد عدد السوريين الذين يحاولون بشتى الطرق اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي بهدف الحصل على حياة كريمة وآمنة.. غير أن كثيرا منهم لا يملكون أدنى فكرة عما سيواجهونه أو كيف سيتعاملون مع ظروف اللجوء..
قالت إحدى الهاربات إلى ألمانيا: "لم أكن أعرف أن الوضع سيكون هكذا.. كل ما كنت أراه أن البعض يقولون فجأة وصلنا إلى البلد الفلاني ثم يختفون فترة من الزمن ويعودون ليقولوا: كل شيء على ما يرام وقد بدأنا بالاستقرار"..
الواقع أن هناك تفاصيل كثيرة يجب أن يعرفها الراغبون في الهجرة، فقد ازدهر تهريب البشر إلى درجة جعلت كثيرين يزعمون أنهم مهربون كي يحصلوا على مبالغ مالية يجمعون من ورائها ثروة..

غالبا ما يكون طريق الهروب هو عبر تركيا، وأحيانا مدينة الاسكندرية في مصر.. هناك عشرات وربما مئات من أشخاص يزعمون أنهم قادرون على توفير وسيلة تسلل إلى الاتحاد الأوروبي عبر اليونان، لديهم معلومات وفيرة حصلوا عليها عن طريق الاطلاع أو الحديث إلى مهاجرين وصلوا فعلا إلى وجهاتهم.. وسائل التهريب تتم عبر طرق مختلفة تتراوح أسعارها، فهناك من يحملون الراغبين في قوارب منها البدائي ومنها المتطور قليلا، ينطلقون من مدينة ساحلية تركية عبر البحار إلى أول نقطة يونانية.. قبل الوصول إلى هذه النقطة يمرون عبر سواقي مائية ضيقة تأخذ شكل المستنقعات الموحلة المتعرجة وغير واضحة المعالم.. وباعتبار أن التهريب يتم في الظلام وأن العديد من هؤلاء المهربين غير متمرسين ولا يعرفون المنطقة جيدا، كثيرا ما يتيهون في المجهول..

ذكر أحد من خاضوا هذه التجربة أن قائد سفينتهم فقد القدرة على تبين ملامح طريقه، ولولا أن اللاجئ السوري كان يحمل هاتفا جوالا بخدمة الانترنت و"الجي بي إس" (نظام تحديد المكان عبر الأقمار الصناعية) لما تمكنوا من الوصول إلى البر، وذلك بعد رحلة استغرقت أكثر من 10 ساعات.. وأضاف إن مجموعة قطعت نفس الدرب ولم يكن معها "جي بي إس" بقي أفرادها ضائعين أربعة أيام ومنهم من مات إرهاقا وجوعا.. 
من يتم القبض عليه في هذه النقطة اليونانية يعيدونه إلى تركيا، ومن يتمكن من الوصول إلى العاصمة أثينا يكون قد حصل عبر المهربين على جواز سفر مزور يعود لأي شخص يشبه حامل الجواز كي يستخدمه في السفر إلى مدينة أوروبية أخرى.. كثيرون يكتشفهم ضباط الجوازات فيعودون أدراجهم للحصول على جواز سفر آخر إلى أن يصلوا إلى الوجهة التي يريدون..
وهناك من يحصل على جواز السفر في تركيا فيسافر بواسطته إلى الجزائر، لا أدري لماذا الجزائر تحديدا، ربما يكون هناك من يتعاون هناك مقابل مبالغ مالية فيغض الطرف عما يحدث، ومن ثم يسافر اللاجئ إلى مقصده.. غير أن هذه الطريقة هي الأكثر كلفة.. وهناك من يسافر من مصر ويعبر البحر من الاسكندرية إلى جنوب إيطاليا، ولا أدري كيف تغفل الشرطة والمخابرات المصرية عن هؤلاء، ولكن من يدري، ربما يكون هناك مستفيدون أيضا ضمن هذا المجال..

http://www.youtube.com/watch?v=tECcMzZwxwY&feature=youtu.be

من يتمكن من الوصول إلى الشواطئ الاوروبية من دون أن يبتلعه البحر يبدأ بالسفر بوسيلة أو أخرى، سيرا عبر البراري مسافات طويلة أو بواسطة القطارات وغيرها.. يختار الغالبية بلادا في الشمال: السويد، النرويج، ألمانيا، هولندا.... وعندما يطلبون اللجوء يتم فرزهم إلى معسكرات جماعية تضم أعدادا من لاجئين قادمين من دول عديدة، كالصومال وأريتريا، وقد يقيم الشخص في غرفة من 4 أو 5 غرباء من بيئات مختلفة، قد يكونون غير نظيفين أو فوضويين أو كثيري الضجيج..
يقول أحدهم إن الغرفة التي منحت لهم للنوم والإقامة في الفترة الموقتة ريثما يتم البت في أوراق لجوئهم كانت قذرة وسيئة الرائحة، وكانت الأسرّة متسخة علقت فيها بقع مختلفة وتنبعث منها روائح كريهة.. كان على مستخدمي هذه الغرف تقبل الأمر الواقع والتحمل ريثما تقوم السلطات بفرزهم إلى مناطق أخرى في البلاد..
بعد الانتظار فترة تتراوح بين أسبوعين و4 أسابيع يتم نقل المهاجرين إلى أماكن أكثر استقرارا، مهيئة لإقامة اللاجئين، لكن وضع الغرف يصبح أفضل قليلا.. من هنا على اللاجئ انتظار استدعائه للتحقيق، وبناء على إفادته يقرر القاضي أو المسؤول فيما إذا كان هذا الشخص يستحق الحصول على الإقامة والمعونات المالية التي ستقدمها الحكومة..
هناك أنواع للجوء.. كثيرون يعتقدون أنهم حصلوا على لجوء سياسي في أوروبا، لكن الواقع هو غير ذلك.. فشروط الحصول على اللجوء السياسي صعبة ومحددة، واللاجئ السياسي غالبا ما يوضع تحت المراقبة ويمنع من العمل في الفترات الأولى.. اللجوء السياسي يتطلب أن يكون الشخص منتسبا إلى حزب سياسي معارض ومحظور في بلاده، أو أن يكون له رؤى سياسية قوية مختلفة عن الحكومة الهارب منها، هذه الرؤية والتصريحات السياسية تجعله مطاردا من الأمن في بلاده الأصلية وتضع حياته تحت خطر الموت..

أغلب الهاربين من سوريا يحصلون على لجوء إنساني، بمعنى أن دولة مثل ألمانيا مثلا تحتويهم خلال الفترة التي تكون فيها بلادهم في حالة حرب وانعدام الأمان وعدم الاستقرار وخطورة على الحياة.. في هذه الحالة من حق الدولة عندما تنتهي الحرب في البلد الأصلي أن تعيد من تشاء إلى بلاده وتنهي إقامة اللاجئ باعتبار أن أسباب اللجوء لم تعد قائمة.. وقد سبق لألمانيا أن أعادت آلافا لجأوا من البوسنة والهرسك بعد أن انتهت الحرب فيها..

بعد أن يتمكن اللاجئ من العثور على سكن تحدد السلطات مساحته وقيمة أجرته، يبدأ في محاولة التفاعل مع المجتمع الجديد.. في ألمانيا وغيرها يتحتم على اللاجئ تعلم لغة البلاد التي تؤويه، وهذه أولوية.. ثم تأتي مسألة التعود على الطقس المختلف والبارد في أغلب الأحيان، وكثيرا ما أصيب القادمون بأمراض متعلقة بنزلات البرد وتوابعها.. كما يبدأ اللاجئ بالبحث عن المحلات التي يستطيع أن يشتري طعامه منها، وكيف سيفهم أي نوع من الطعام يحتوي على لحم خنزير محرم في الإسلام مثلا أو الكحول وغير ذلك..

خلال هذه الفترة يعاني اللاجئون من الضياع وعدم القدرة على التفاهم مع محيطهم، ويحتاجون إلى مترجم لا يكون متوفرا كل الوقت.. إضافة إلى ضرورة التعرف على الأسلوب الأمثل في التعامل مع شعب الدولة المضيفة باختلاف عقلياتهم وعاداتهم.. وكلما أسرع اللاجئ في التعرف على عادات البلد المضيف وأظهر احتراما لها كلما لقي احتراما من قبل موظفي الحكومة الذين ينظمون أموره.. ولهذا من المهم جدا لأي شخص يود اللجوء إلى دولة ما، أن يطلع قدر الإمكان قبل سفره على طريقة الحياة هناك، إما عبر سؤال أشخاص يقيمون فيها منذ فترة، أو عبر البحث في الانترنت، أو عبر سرعة الدخول في مدرسة اللغة التي تعطي فكرة عن طبيعة المجتمع الجديد..

أما الحالمون بالهجرة إلى أمريكا فالوضع هناك يختلف كليا.. إذ ينبغي على المهاجر إذا استطاع الوصول إلى هناك أن يتكفل بنفقاته المالية بشكل كامل إضافة إلى رسوم يدفعها للمحامي الذي يتولى شؤون أوراقه.. الهجرة إلى أمريكا تكلف كثيرا لكن فرص العمل قد تكون أكبر من تلك المتوفرة في أوروبا..

هناك تفاصيل كثيرة قد لا تتسع المساحة لذكرها، لكن تبقى لكل حالة خصوصيتها وظروفها، ويبقى أن يعرف من يسعى للجوء أن إقامته في دولة أوروبية لا تعني بالضرورة أنه يهرب إلى أرض الأحلام، بل هو يبدأ في رحلة معاناة من نوع آخر، ميزتها الوحيدة أنها ليست تحت القصف والتدمير..


Monday, December 22, 2014

هل هويتنا فعلا سورية؟!

كتبت سورية لجأت إلى المهجر تقول: إن تسعة من عشرة سوريين هاجروا خلال الحرب لا رغبة لديهم بالعودة إلى سوريا بعد أن تضع الحرب أوزارها..

سيهز بعض القراء رؤوسهم أسفا بعد قراءة هذه الافتتاحية، في حين سيستنكر البعض الآخر ويعتبرون أن في الرقم مبالغة، وسيوافق آخرون ممن يرون أن لا فائدة ترجى من العودة..

والواقع أن الفكرة بحد ذاتها تطرح قضية شائكة وغاية في التعقيد ظهرت خلال هذه الأزمة الخطيرة التي زلزلت البلاد.. والحديث هنا لا يتعلق بثلاثة ملايين ومئتي ألف لاجئ مسجلين رسميا في وثائق المفوضية العليا للاجئين التابعة لهيئة الأمم المتحدة، والتي بالمناسبة تقول هذا الشهر إن احتياجاتها لهؤلاء اللاجئين الموزعين في تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر تتجاوز ثلاثة مليارات وسبعمئة مليون دولار؛  بل يتعلق بآخرين هاجروا سواء بتأشيرات نظامية أو تهريبا إلى بلاد أوروبية مختلفة، أو إلى كندا وأستراليا.. هؤلاء، وكثير منهم ينتمي إلى شريحة عمرية شابة، لن تكون سوريا بالنسبة إليه أكثر من ذكرى منزل قضى فيه طفولته أو مدرسة تعلم فيها وما يحيط بها.. لن تكون أكثر من عدة شوارع كان الشاب يجوبها بصحبة أقرانه أو أهله، أما الباقي فصور كئيبة ومزعجة، لا تبدأ من منظر شرطي المرور وهو يضع ورقة الخمسين في جيبه مقابل التغاضي عن مخالفة مرورية ولا تنتهي عند مخالفات البناء الكبيرة التي تتكاثر لمصلحة مجموعة من زعماء وتجار ومافيات السوق الاقتصادي المتعاونين مع الطغمة الحاكمة..

من هنا نغوص أكثر إلى أعماق المشكلة المتجذرة في نفس المواطن السوري.. هذه المشكلة التي تنخر فيها أزمة الهوية..

هوية السوري الضائعة تعود للصدمات الشديدة والسريعة التي تلقاها خلال فترة قصيرة من الزمن لم تتعد مئة عام.. ففي بداية القرن العشرين لم يكن هناك بلد اسمه سوريا، كانت بلاد الشام أو منطقة الهلال الخصيب أو شمال شبه الجزيرة العربية، وجميعها تسميات صحيحة، منطقة تناوبت عليها الحضارات على مدى التاريخ، فحملت طابع كل حضارة في وقتها، ثم صارت إسلامية تتبع الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية بغض النظر عن ضعف كثير من الخلفاء أو التفكك في بعض المراحل، إلا أن السمة الرئيسية كانت دائما تحمل طابع راية خلافة تحكم باسم الدين الإسلامي.. في بداية القرن العشرين عندما لاحت بوادر انهيار الخلافة العثمانية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ومع ظهور حركات القوميات المختلفة، بدأت النار تتأجج في جمر ملتهب كان يرقد تحت سطح التطور الزمني، وبدأت المجتمعات تشهد تفككا عميقا وإن كان غير مرئي للعيان على السطح، وبدأ النزيف البشري يرسم خطوطه الأولى..

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بدأت موجات الهجرة القريبة إلى مصر والبعيدة إلى العالم الجديد المتمثل في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية بسبب الإقطاع المحلي والمجاعة والفقر وأسباب سياسية أخرى، يذكر منهم على سبيل المثال إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة إلى أمريكا وأبو خليل القباني وأنور وجدي وماري منيب إلى مصر..

وبحسب دراسة قام بها الباحث محمد باروت حول المغتربين السوريين فإن الهجرة توقفت عند بداية الانتداب الفرنسي وارتفعت نسبتها أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي على خلفية الأزمة التي مرت بها سوريا.. ثم انخفضت نسبة الهجرة إلى شخص لكل ثلاثمئة حتى دفعت أحداث الثورة الأخيرة الملايين إما للنزوح أو للجوء أو للهجرة..

خلال هذه الأعوام الطويلة واجهت السوري باستمرار أزمة الهوية.. ففي بداية القرن العشرين كان كثير من المهاجرين يدينون بالمسيحية باعتبار أن مسيحيي سوريا من أوائل من تبنوا القومية العروبية ودعوا للانفصال عن العثمانيين والخلافة الإسلامية الضعيفة التي كانت تحكم في ذلك الوقت.. وقد جوبه دعاة القومية العربية بحرب من ولاة الأتراك التابعين لحكومة كانت اسميا تتبع للخلافة وفعليا تتبع لأحزاب خرجت عن خط الامبراطورية العثمانية التقليدي وهي حزب تركيا الفتاة وحزب الاتحاد والترقي..

بعد قيام الثورة العربية الكبرى وخضوع المنطقة للاحتلال والانتداب وتقسيمها وفقا لخريطة سايكس بيكو ومؤتمر سان ريمو، توحد السوريون تحت مظلة الكفاح ضد الاستعمار، لكن حقيقة مشاعر الشعب الحقيقية رغم أنها لم تتكشف وفقا لدراسات علمية يمكن أن تظهر من خلال ما توارثته الأجيال في أفكارها، حيث كانت الأمور تشير بوضوح إلى انقسام في ولاء السوريين بين من لا يزال يحن إلى راية خلافة إسلامية، وبين من يحلم بالتخلص من الاستعمار لمحو الخطوط الوهمية المرسومة على خريطة سايكس بيكو عربيا، وبين قلة تنسجم مع الوجود الفرنسي وتعتبره فرصة للخروج من تخلف طال أمده بهدف تكريس الثقافة الغربية والآداب والعلوم والدخول في عصر النهضة الأوروبي الذي سبق البلاد العربية بقرون..

تاريخيا، فقد سكنت سوريا شعوب سامية، ثم بدأت القبائل الكردية بالاستقرار في العصر العباسي، تلا ذلك وفود قبائل تركمانية من السلاجقة، ثم بعض الشركس اللاجئين من القوقاز إبان الحرب الروسية الشركسية.. كما هاجرت إلى سوريا شعوب أرمنية هربت من المذابح في بلادها، واستقرت فيها مجموعات بلقانية وألبانية كانت تحارب في الفرق العسكرية العثمانية واتخذت منها موطنا.. هذه التركيبة السكانية جعلت كثيرا من السوريين ينسبون أنفسهم إلى الدين أو الطائفة أو العرق قبل أن ينسبوا أنفسهم إلى الدولة، وهذا ما جعلها تحتاج إلى حكم رشيد كي يضمها في بوتقة تقلل من التباين بين هذه الشعوب..

وربما يكون تصوير دراما “باب الحارة” ليس مبالغة عندما يبدو أهل الحارة داخل المدينة منغلقين على بعضهم البعض تجاه حارات أخرى لا يعرفون عن طباع ساكنيها أو طريقة تعاملهم الكثير..

حاول رواد الاستقلال الخروج من تناقض هذه المشاعر عبر حكم برلماني تعددي وديمقراطي، لكن لم يكد السوريون ينتعشون باستقلال بلادهم إلا وجاءت صدمة سقوط فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل لتهز أركان وجود الدولة من أساسه، ثم تلاحقت الانقلابات العسكرية والاضطرابات في البلاد حتى جاء انقلاب البعث عام 1963 الذي انبثق منه تسلم حافظ الأسد السلطة عام 1971 وتوريثه الحكم إلى ابنه بشار..

أعوام خمسون فشلت خلالها عدة محاولات لقلب هذا الحكم الديكتاتوري فدفعت باليأس للتسلل إلى نفوس نسبة كبيرة من السكان وهكذا بدأ النزيف البشري من البلاد والتسرب شيئا فشيئا إلى الخارج..

أغلب المهاجرين بعد حصولهم على جنسية بلد الإقامة لم يستقروا هناك فحسب، بل رفضوا تسجيل أبنائهم في سوريا أولا كي لا يتم استدعاؤهم للجندية وثانيا لسهولة الحركة والدراسة والعمل بالجواز الغربي، وبالتالي فإن الأجيال الثانية بعد الهجرة نشأت غير مرتبطة بسوريا إلا اسميا كبلد الأصل التي جاء منها الأب أو الأبوان، وهكذا فإن هذه الأجيال لم تعد تعتبر سوريا وطنها..

أما من عانوا من الديكتاتورية والظلم والفساد والخوف من الاعتقال أو الاعتقال ذاته تحت حكم البعث فلم تعد سوريا تشكل بالنسبة لهم الوطن الأسمى أو الحلم الذي يريدون أن يقضوا عمرهم ومشيبهم فيه، ولم يعد الوطن يعني لهم أرض الجذور، بل صار يعني الاستقرار وفرصة عمل كريم وكرامة إنسانية وتعليما بمستوى جيد لأبنائهم وحرية الفكر والكلمة..

حكم البعث والأسد شغل السوري بقضايا العالم بأسره: الامبريالية، الصهيونية، فلسطين، لبنان، مصر السادات، العراق، لواء اسكندرون، الجولان السليب.. الخ إلا قضيته السورية.. ولم يشعر المواطن السوري يوما تحت هذا الحكم المخابراتي بأي اهتمام لما يجري في الداخل، أو قدرة على المحاكمة الفعلية لما يحدث، وذلك في ظل إعلام مغيب ولغة سياسية متخشبة..

هم الفرد الأكبر بات في تأمين رغيف الخبز وأجرة المنزل وغذاء الطفل ومتطلبات الحياة وفرص العمل التي توفر الحد الأدنى من المعيشة العادية.. إضافة إلى البحث عن الطرق الملتوية في تحقيق الأغراض الشخصية من خلال تقديم الرشى والوساطة والنصب والاحتيال والتسلق والطعن في الآخرين من أجل اقتناص الفرص وسحب البساط من تحت أرجل الآخرين..

خلال أعوام مئة خلت لم يجد السوري هوية حقيقية يتمسك فيها، وهذا هو الفرق بين من يصر على كونه أمريكيا لأن بلاده لم تكن يوما إلا أمريكا، أو ألمانيا لأن بلاده لم تكن يوما إلا ألمانيا، أو بريطانيا أو روسيا أو الصين واليابان وهكذا، وبين من لا يعرف قبل مئة عام ماذا كان اسم بلاده..

في سوريا، إذا قلنا هويتنا إسلامية سيردد البعض بأنهم ليسوا مسلمين، وإذا قلنا هويتنا عروبية سيردد آخرون بأنهم ليسوا عربا، وإذا قلنا سوريون ستعترض مجموعة بأن حدود البلاد مصطنعة ظالمة رسمها شخصان لا يعرفان الروابط الديمغرافية بين أهل حوران سوريا والأردن، أو بين سكان الجزيرة والعراق، أو بين علويي أنطاكية وطرطوس، أو بين كرد الدول الأربع، أو بين دروز سوريا ولبنان الخ.. وهناك من لا يزال يحلم بمشروع انطوان سعادة في سوريا الكبرى ونجمتها قبرص، وهناك من لا يزال يحلم بمشروع نوري السعيد في الهلال الخصيب، وهناك من يريد الانضمام إلى تركيا باعتبار الإقليم الشمالي امتداد لثقافتها وهكذا.. إضافة إلى ذلك فإن جولة سريعة قبل قيام الثورة يمكن أن تعطي فكرة وافية عن فروق ثقافية واسعة بين مناطق الجزيرة وبين حلب وحمص ودمشق والساحل وحوران.. فماذا تبقى من الهوية السورية للتمسك به، وقد عمل النظام الأسدي على مدى أكثر من 40 عاما على طمسها ومحوها وقتلها؟

من هنا، قد يستطيع المرء أن يفهم لماذا يدفع البعض الغالي والنفيس ويستمرون في ركوب البحر رغم المخاطر ويدفعون حيواتهم أثمانا بحثا عن أوطان أخرى.. ولماذا يسارعون عند الوصول إلى تمزيق جوازات سفرهم طمعا في جوازات سفر بلد اللجوء.. ولماذا يقول أحدهم للآخر عندما يستلم هويته الغربية الجديدة كلمة: مبروك.. ولماذا أصبحت سوريا الحالية فارغة من شبابها فاستوطنها بسهولة شبان ليسوا من أهل البلاد الأصليين انضموا إلى أحد فريقين: فريق يرابط قرب مزارات الشيعة وأماكن تجمع أفرع المخابرات والأركان العسكرية، وفريق ملثم يتشح بالسواد ويرعب العباد ينسب نفسه إلى دولة غريبة تسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام/داعش..


ميساء آق بيق

Tuesday, December 16, 2014

(7)
علاقة السلطان مراد الأول بمنطقة البلقان
والتوسع العثماني فيها


نبدأ من حيث انتهت الحلقة السابقة، في بيزنطة، حيث ذهب الامبراطور الجديد "يوحنا باليالوغ" إلى روما يستجدي العون ويطلب الشفاعة مقابل إدخال شعبه في طاعة البابوية.. أنكر يوحنا الكنيسة الأرثوذكسية أمام مذبح القديس بطرس، لكن الوعود المعطاة لم تنفعه، بل إن البندقية اعتبرته رهينة مقابل الديون اليونانية، فاضطر ابنه عمانويل لإحضار المال المطلوب وعاد يوحنا إلى القسطنطينية فقيرا وقد أنكره شعبه لتنازله عن مذهبه.. وبعد فشله مرة أخرى في الحصول على العون من الغرب لم يجد أمامه إلا الاعتراف بالسلطان مراد مولى عليه مقابل موافقة مساعدة الجيش العثماني له واضعا ابنه عمانويل رهينة لدى العثمانيين، فاتجه مراد حينها إلى الإمارات البلقانية.





وكي نفهم تسلسل الأحداث بين توسع الدولة العثمانية وما جرى في البلقان لا بد أن نلقي الضوء على طبيعة هذه البقعة الجغرافية..
منطقة البلقان كانت دائما محكومة بتركيبها البشري والعرقي والقومي والديني والثقافي بالغ التعقيد.
الشعب السلافي من الصرب والبوسنة، البلغار، الولاش، السكبتار في البانيا، والمجيار الذين شكلوا مع جيرانهم البولنديين مدة ثلاثة قرون حاجزا رئيسيا في وجه التوسع العثماني.
أما تضاريسها الجبلية الوعرة فغالبا ما شكلت ملاذا للأقليات المضطهدة أو الخارجين على السلطة على الرغم من انتماء أغلب قاطنيها إلى الجنس السلافي.

ويعتقد أغلب المؤرخين أن الشعوب السلافية جاءت من أحراج روسيا الباردة هربا من الجوع وبحثا عن أرض خصبة فتحلقوا حول ضفاف نهر "السافا".. حاول الرومان طرد هذه الشعوب المهاجرة دون جدوى، واستقروا هم ورحل الرومان، ولاتزال العديد من القوميات من السلافيين باقية حتى الآن.

البلقان كلمة تركية أصيلة تعني الجبل الوعر المكسو بالغابات، وهي أقصى شبه جزيرة جنوب أوروبا من ناحية الشرق، وتتألف من اليونان والجزء الأوروبي من تركيا وألبانيا وبلغاريا ومعظم يوغوسلافيا قبل أن تتفكك إلى عدة دول عرقية، يحيط بالبلقان البحر الأدرياتيكي في الغرب والبحر المتوسط في الجنوب وبحر ايجة والبحر الاسود في الشرق.
هذه المنطقة الكبيرة شكلت خط تماس وتوتر بين الكنيستين الشرقية الأرثوذكسية والغربية الكاثوليكية، وغالبا ما تنازع فيها أبناء العمومة الصرب والكروات.




كان الصرب الأرثوذكس تحت سيادة الامبراطورية البيزنطية، غير أنهم تمكنوا من إقامة دولة مستقلة في عهد الملك ستيفان نومانيا الذي طرد البيزنطيين عام 1208م.. ومن ثم جعل ستيفان الإقليم مركزا حضاريا ودينيا مسيحيا للصرب فأصبحت المملكة الصربية أول دولة مستقلة في البلقان.
بعد ذلك بلغت قوة الصرب ذروتها في زمن الملك دوشان الذي أعلن نفسه قيصرا عام 1346 وجعل عاصمته مدينة بريتزين غرب بريشتينا عاصمة كوسوفو حاليا.
أعطى دوشان امتيازات كثيرة للكنيسة الصربية ونقل مقرها من "شيج" الى "بييا" (في كوسوفو حاليا) وسعى الصرب المتعصبون إلى فرض الأرثوذكسية بالقوة على الشعوب الواقعة تحت سيطرتهم، واضطهدوا جميع من رفض اعتناقها اضطهادا شديدا خاصة الكوسوفيين في عهد السلطان العثماني أورخان بن عثمان.
لكن خلفاء دوشان كانوا ضعفاء انقسموا على أنفسهم بعد موته، على رغم تحالف قام بين ملك هنغاريا وقيصر بلغاريا عام 1355م. زاد في عوامل الانقسام والفشل محاولة من امبراطور بيزنطة يوحنا الخامس، تظاهر خلالها بقبول وحدة كنسية بين روما وبيزنطة بهدف جلب المساعدات الأوروبية الغربية..

كان المترفون والفسقة والانتهازيون ينخرون في جسم صربيا وهم الذين مهدوا لحكم طاغية صربيا "دوشان" الذي قبض على البلاد بيد من حديد.. هذه القبضة تكسرت بموته، فانهار حاجز الخوف الناجم عن شدة جبروته، وأشرفت دولة الظلم على الانمحاء والهلاك.






كان الوضع سيئا تبدو صورته كالتالي:
اليونان الكاثوليك يمقتون الرومان الكاثوليك، والبنادقة يضغطون على اليونان الكاثوليك ويعملون السيوف في رقابهم في جزيرة كريت.
أما الشعب وصغار القساوسة فقد نفروا من كل محاولة لإعادة توحيد المسيحية اليونانية واللاتينية، وكرهوا الحكام اليونانيين أكثر من الاتراك، وآثر البعض الخضوع للمسلمين الذين لا يفرضون ضرائب على الخضوع للحكام المسيحيين الذين يفرضون ضرائب جائرة.. كان سكان المنطقة المظلومون يرون أن العثمانيين لا يضطهدون باسم الهرطقة، بل ويسمحون بأربع زوجات.. 

وأسقط نزاع سكان ألبانيا بين الرومانيين والكاثوليك في الشمال، والارثوذكس الشرقيين في الجنوب، البلاد فريسة للفوضى والاقطاع.


الحرب الأهلية التي تورط بها الامبراطور البيزنطي عرضت اليونان للهجوم الصربي وتحطمت بلغاريا كقوة كبرى بموت إيفان آسين الثاني ودب الصراع بين قياصرها فاستنجد الشعب بالعثمانيين.

الإسلام انتشر في البلقان في القرن الرابع عشر على أيدي العثمانيين الذين حاولوا التوسع على حساب أراضي بيزنطة.. وكان بعض ممن اعتنقوا الإسلام من المسيحيين أبناء أقليات دينية مضطهدة وجدت في العثمانيين خلاصا من الظلم، وبعض آخر كانوا هاربين من نظام ضرائب جائر تم تطبيقه على المزارعين الفقراء.. لم يُعرف على مر الزمان أن العثمانيين بذلوا جهودا لفرض التحول إلى الإسلام، فقد كانوا أول أمة في ذلك التاريخ تأخذ بمبدأ الحرية الدينية باعتباره الدعامة الأساسية لقيام الدولة، مما جعل المسلم والمسيحي يعيشان معا في وئام في ظل حكمهم.




على مدى الحكم العثماني بلغ عدد المجموعات اللغوية والعرقية التي خضعت له أكثر من ستين مجموعة، فقد كانت الدولة العثمانية هي التنظيم السياسي الوحيد في العصورالوسطى الذي اعترف رسميا بالأديان السماوية الثلاثة وأوجد بينها تعايشا سلميا يشوبه الانسجام. وعلى رغم أن التسامح الديني داخل الدولة كان يعود الفضل فيه إلى الأولياء من المشايخ والدراويش (زوايا الدراويش كان من واجبها إيواء المسافرين سواء داخل المدن أو على طول الطرق) إلا أن هؤلاء الدراويش أنفسهم كانوا يقومون بدور هام في الحض على الجهاد ضد الدولة البيزنطية.
 أما سكان البلقان فلم ينصهروا في البوتقة العثمانية كما حصل في آسيا الصغرى واحتفظوا بلغاتهم المحلية، وهذا كان من العوامل المهمة التي جعلت سيطرة العثمانيين على المنطقة غير دائمة او مستقرة.


كيف نقل العثمانيون حربهم إلى أراضي أعدائهم في البلقان؟

كان لويس ملك المجر وبولندة تحالف مع أمراء البوسنة والصرب وولاشيا للقضاء على الوجود العثماني في أوروبا، منتهزين غياب السلطان مراد في آسيا عام 1364م.. غير أن القائد العثماني (لالا شاهين باشا) تصدى لهم وأوقع بحلفهم هزيمة منكرة في أولى حروب الطرفين وكبدهم خسائر فادحة دفعتهم للتخلي عن ممتلكاتهم في مقدونيا.. حدث ذلك على ضفاف نهر ماريتزا (أو مريج) قرب أدرنة.. 

في الحلقة المقبلة: انتشار الفساد والفرقة والتناحر بين المماليك حكام مصر والشام

هذه السلسلة بدأت أواخر عام 2010 كفكرة لمسلسل درامي تاريخي.. وقد تحدثت بشأنها مع بعض صناع الدراما، كما تحدثت مع الشيخ وليد الابراهيم مالك مجموعة إم بي سي الذي أعجب بها وحولني إلى مدير الإنتاج الدرامي في المجموعة للتنسيق معه، وقمت بتسجيلها قانونيا باسمي.. إلا أن اندلاع الثورات العربية وتلاحق الأحداث وعملي في أخبار العربية حينها شغلني عن المتابعة، إضافة إلى أن الإسقاط التاريخي الواضح في أحداثها على منطقتنا دفعني للانتظار كي أرى نتيجة الثورات.. وبعد أن طال الزمن وخرج مسار الأحداث عن المنطق والخيال ولم يعد ممكنا التنبؤ بالنهاية، قررت نشر السلسلة على مدونتي، لكنها لا تزال تصلح قصة لمسلسل تاريخي ضخم الإنتاج فيما بعد.. يذكر أن هذه الأحداث موثقة تاريخيا وفق عدة مراجع وكتب علمية، ولا يدخل الخيال في تفاصيلها..

حقوق المادة المكتوبة محفوظة

المراجع: تاريخ الدولة العثمانية /تأليف: الميرالاي اسماعيل سرهنك
           أصول التاريخ العثماني/تأليف: أحمد عبد الرحيم مصطفي
            تاريخ الدولة العثمانية/ تأليف: د.علي حسون
          مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك/ تأليف: د.سعيد عبد الفتاح عاشور
          تاريخ الدولة البيزنطية/ تأليف: د.جوزيف نسيم يوسف
       العثمانيون والبلقان/ تأليف: د. علي حسون
       تاريخ الأيوبيين والمماليك/ تأليف: د. أحمد مختار العبادي
       تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام/ تأليف: د. محمد سهيل طقوش


       مواقع على الانترنت